“محكمة من لا محكمة له”.. خطأ قانوني فادح يفضح جهل فاطمة عاشور بحديثها عن محاكمة المقاومة

أثارت المحامية فاطمة عاشور جدلاً قانونياً بقولها إن من حق الفلسطينيين “محاكمة حركة حماس محلياً في فلسطين ودولياً”، مستندة إلى أن “المحكمة العليا محكمة من لا محكمة له وفق القوانين الفلسطينية مراعاة لاختصاص المحاكم”.
ويكشف الرجوع إلى التشريعات الفلسطينية النافذة أن هذا الاستناد يقوم على خلط واضح بين جهات قضائية مختلفة، وبين مفهوم الاختصاص العام للمحاكم ومفهوم “محكمة من لا محكمة له” الذي ارتبط تاريخياً بمحكمة العدل العليا في سياق محدد، وليس بالمحكمة العليا/محكمة النقض بصورتها الحالية.
ويحدد قرار بقانون رقم (39) لسنة 2020 بشأن تشكيل المحاكم النظامية المحاكم النظامية في أربع درجات هي: محاكم الصلح، ومحاكم البداية، ومحاكم الاستئناف، والمحكمة العليا/محكمة النقض. ويمنح القانون محاكم البداية اختصاصاً ابتدائياً في جميع الدعاوى الحقوقية والجزائية التي لم يمنح القانون صلاحية الفصل فيها لمحاكم الصلح أو لأي محكمة أخرى.
ولا يعني هذا النص أن محكمة البداية أصبحت “محكمة من لا محكمة له”، وإنما يعني أن المشرّع منحها اختصاصاً ابتدائياً عاماً في نطاق الدعاوى التي تدخل في اختصاص القضاء النظامي ولم يسندها إلى محكمة أخرى. فالاختصاص هنا مصدره النص القانوني، وليس قاعدة افتراضية تتيح للمحكمة نظر أي نزاع لمجرد عدم معرفة الجهة المختصة به.
أما المحكمة العليا/محكمة النقض، فقد حدد المشرّع اختصاصها بصورة أكثر تحديداً. وتنص المادة (17) من قانون تشكيل المحاكم النظامية على اختصاصها بالنظر في الطعون بالنقض الموجهة إلى الأحكام والقرارات الصادرة عن محاكم الاستئناف في القضايا الجزائية والحقوقية، إضافة إلى الحالات التي ينص فيها قانون آخر صراحة على الطعن أمامها.
وبالتالي، فإن القول إن “المحكمة العليا محكمة من لا محكمة له” لا يصلح سنداً قانونياً لإنشاء اختصاص جنائي أصلي للمحكمة العليا لمحاكمة حركة سياسية أو أي أشخاص آخرين.
خطأ قانوني فاضح
ويبدو أن مصدر الخلط يعود إلى محكمة العدل العليا في النظام القضائي الفلسطيني السابق. فقد نصت المادة (33) من قانون تشكيل المحاكم النظامية على اختصاص محكمة العدل العليا بالنظر في طيف من المنازعات الإدارية، إضافة إلى بند بالغ الأهمية نص على اختصاصها بالمسائل التي ليست قضايا أو محاكمات، وإنما عرائض أو استدعاءات خارجة عن صلاحية أي محكمة، وتستوجب الضرورة الفصل فيها تحقيقاً للعدالة. ومن هنا ارتبط في الفقه والاجتهاد تعبير “محكمة من لا محكمة له” بهذا الاختصاص الاستثنائي.
لكن إسقاط هذا المفهوم على المحكمة العليا/محكمة النقض الحالية يمثل خطأ قانونياً؛ فالمشرّع الفلسطيني أعاد تنظيم القضاء الإداري بموجب قرار بقانون رقم (41) لسنة 2020 بشأن المحاكم الإدارية، وأنشأ هيئة قضائية مستقلة باسم “المحاكم الإدارية”، ومنحها دون غيرها الاختصاص بالنظر في المنازعات الإدارية والدعاوى التأديبية والاختصاصات الأخرى المحددة قانوناً.
وأنشأ التشريع كذلك المحكمة الإدارية العليا للنظر في الطعون المقدمة ضد الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة الإدارية، ما يؤكد أن الحديث عن “المحكمة العليا” يحتاج أولاً إلى تحديد أي محكمة يقصد بها المتحدث: المحكمة العليا/محكمة النقض أم المحكمة الإدارية العليا.
ويكشف ذلك خطأ جوهرياً في الاستدلال؛ فعبارة “محكمة من لا محكمة له” ليست تفويضاً مفتوحاً للقضاء لمحاكمة أي جهة أو شخص، وليست قاعدة تمنح المحكمة العليا اختصاصاً من تلقاء نفسها. فالاختصاص القضائي لا يُفترض ولا يُستمد من غياب محكمة أخرى، وإنما يحدده القانون بنص واضح، ولا يجوز التوسع فيه خارج الحدود التي رسمها المشرّع.
أما القول بإمكانية “محاكمة حركة حماس” محلياً، فهو يحتاج قبل أي شيء إلى تحديد طبيعة الدعوى، والأفعال محل الاتهام، وصفة المدعى عليهم، والقانون الجزائي الواجب التطبيق، والمحكمة صاحبة الاختصاص، وشروط تحريك الدعوى الجزائية. ولا يكفي القول بوجود “قضايا دولية” ضد حماس لإثبات وجود اختصاص للقضاء الفلسطيني بمحاكمة الحركة ككيان.
كما أن وجود دعاوى أو إجراءات في دول أو محاكم دولية لا ينشئ تلقائياً اختصاصاً للمحاكم الفلسطينية، والعكس صحيح. فلكل نظام قضائي قواعده المتعلقة بالاختصاص الشخصي والمكاني والموضوعي، وبصفة المدعى عليه، وبطبيعة الجريمة، وبشروط الملاحقة والمحاكمة.
وتزداد أهمية هذه القواعد عندما يتعلق الأمر بفصائل سياسية أو تشكيلات مسلحة؛ إذ لا يمكن الانتقال مباشرة من وجود ادعاء أو شكوى إلى القول بوجود اختصاص قضائي لمحاكمة تنظيم بأكمله، من دون تحديد الأساس التشريعي الذي يجرّم الفعل ويحدد المسؤولية الفردية أو الجماعية ويمنح المحكمة المختصة ولاية النظر فيه.
وعليه، فإن الاستناد إلى عبارة “المحكمة العليا محكمة من لا محكمة له” لإثبات إمكانية محاكمة المقاومة أمام المحكمة العليا يمثل خلطاً بين مفهوم تاريخي مرتبط باختصاص محكمة العدل العليا وبين الاختصاص المحدد للمحكمة العليا/محكمة النقض في التشريع الفلسطيني النافذ.
والقاعدة القانونية البسيطة هنا هي أن المحكمة لا تكتسب اختصاصها لأن قضية ما “لا محكمة لها”، وإنما تكتسبه من نص قانوني يمنحها هذا الاختصاص. أما عبارة “محكمة من لا محكمة له”، في حدود استخدامها في القضاء الفلسطيني، فلا تصلح بديلاً عن النص ولا تمنح المحكمة العليا ولاية جنائية عامة غير مقررة في القانون.





