تحليلات واراء

تسليم مناضل فلسطيني لجهة خارجية.. فضيحة مزدوجة تفضح ما وصلت إليه فتح

يكشف تسليم المناضل محمود العدرا، المعروف باسم “هشام حرب” من قبل سلطة رام الله إلى فرنسا عن فضيحة مزدوجة تفضح ما وصلت إليه حركة فتح وعن خلل سياسي عميق تعانيه يعكس تآكلاً متزايداً في مفاهيم السيادة والانتماء التنظيمي.

فقد أثار القرار تساؤلات مباشرة حول طبيعة العلاقة بين السلطة ومواطنيها، خاصة في ظل غياب مبررات قانونية واضحة تلزم بتسليم مواطن فلسطيني إلى دولة أجنبية خارج إطار اتفاقيات قضائية ملزمة أو قرارات صادرة عن هيئات دولية مختصة.

ويشير السياق القانوني إلى أن قواعد الإنتربول لا تفرض على الدول تسليم مواطنيها بشكل تلقائي، بل تقتصر على إصدار نشرات ومذكرات تعاون، تترك للدول هامش القرار وفق قوانينها الداخلية، ما يضعف الرواية التي تروج لوجود التزام دولي قسري.

ويؤكد ذلك أن قرار سلطة رام الله يحمل طابعاً سياسياً أكثر منه قانونياً، خاصة في ظل غياب معلومات معلنة حول مسار قضائي شفاف أو إجراءات قانونية مكتملة تبرر عملية التسليم.

ويطرح هذا التطور إشكالية جوهرية تتعلق بمفهوم السيادة القانونية، حيث يفترض أن يحمي النظام السياسي مواطنيه ضمن إطار قضائي وطني، لا أن يتجاوز هذا الإطار لصالح ترتيبات خارجية غير واضحة.

التنسيق الأمني المقدس

يعكس تسليم العدرا تحولاً في سلوك السلطة، يتقاطع مع نهج سابق قائم على التنسيق الأمني، والذي أثار جدلاً واسعاً في الشارع الفلسطيني، خاصة فيما يتعلق بملفات الاعتقال والملاحقة.

ويأتي ذلك في سياق تراكمي شمل قرارات مثيرة للجدل، من بينها اعتقال واغتيال مقاومين وقطع رواتب أسرى وشهداء، ما عزز صورة سلبية عن أولويات السلطة وحركة فتح في التعامل مع القضايا الوطنية.

وتظهر محاولة ربط العدرا بتنظيمات سابقة، مثل جماعة أبو نضال، كجزء من خطاب تبريري، إلا أن المعطيات تشير إلى عودته إلى الأراضي الفلسطينية ضمن ترتيبات ما بعد اتفاق اتفاق أوسلو، وانخراطه في مؤسسات السلطة.

وعليه فإن العدرا لم يكن خارج الإطار الرسمي، بل جزءاً من البنية المؤسسية، حيث عمل ضمن الأجهزة وتدرج في الرتب العسكرية حتى تقاعده، ما يضعف سردية التعامل معه كعنصر خارجي أو طارئ.

ويطرح ذلك تساؤلاً حول معايير التعامل داخل المؤسسة، وكيف يمكن الانتقال من الاحتواء المؤسسي إلى التسليم الخارجي دون توضيح قانوني أو سياسي مقنع وهو ما يكشف عن خلل في آليات اتخاذ القرار، حيث تغيب الشفافية ويحل محلها خطاب إعلامي دفاعي يفتقر إلى الاتساق.

كما يعكس المشهد أزمة داخل حركة فتح، التي كانت تاريخياً إطاراً وطنياً جامعاً، لكنها تواجه اليوم تحديات تتعلق بالهوية والدور، في ظل تحولات سياسية وأمنية متسارعة.

مخالفة القانون الفلسطيني الأساسي

يشير تسليم العدرا إلى تراجع في الالتزام بالمرجعيات القانونية الفلسطينية، خاصة في ما يتعلق بحماية المواطنين وضمان حقوقهم أمام القضاء المحلي.

وتؤكد القراءة السياسية أن القضية تعكس نمطاً أوسع من القرارات التي تتجاوز المؤسسات، ما يضعف الثقة العامة في النظام السياسي.

كما تتداخل في هذه القضية أبعاد قانونية وسياسية وتنظيمية، حيث يظهر غياب واضح للفصل بين هذه المستويات، ما يؤدي إلى قرارات تفتقر إلى التوازن.

ويبرز في هذا السياق غياب المساءلة، حيث لم يتم الإعلان عن الجهات التي اتخذت القرار أو الأسس التي استندت إليها، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة مراكز القرار داخل السلطة.

ويشكل ذلك تحدياً مباشراً لمفهوم الشرعية، التي تقوم على احترام القانون وضمان الحقوق، في ظل تزايد الشعور بغياب العدالة.

وتعكس ردود الفعل الشعبية حالة من الغضب والارتباك، نتيجة التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسات الفعلية، ما يفاقم أزمة الثقة في وقت يحذر مراقبون من استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التآكل في القاعدة الشعبية للحركة، خاصة في ظل تصاعد الانتقادات الداخلية.

وبحسب المراقبين يضع هذا التطور حركة فتح أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على إعادة تعريف دورها السياسي، واستعادة التوازن بين متطلبات السلطة والتزاماتها الوطنية في وقت يؤكد المشهد أن القضية تجاوزت بعدها الإجرائي، لتتحول إلى مؤشر على أزمة أعمق في بنية النظام السياسي الفلسطيني، تتطلب مراجعة شاملة لآليات اتخاذ القرار ومعايير المساءلة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى