تحليلات واراء

العجز السياسي يهيمن على سلطة رام الله في أخطر المراحل الفلسطينية

تتزايد المؤشرات على اتساع الفجوة بين الشارع الفلسطيني والقيادة السياسية في رام الله التي يهيمن عليها العجز السياسي في وقت يمر فيه الفلسطينيون بإحدى أكثر المراحل تعقيداً منذ سنوات.

فبينما تتواصل حرب الإبادة على غزة، وتتوسع عمليات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، تبدو سلطة رام الله عاجزة عن صياغة استراتيجية سياسية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في المشهد الفلسطيني والإقليمي.

ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي معمر يوسف العويوي أن الأداء السياسي الرسمي ما زال محكوماً بإطار تقليدي يقوم على إصدار البيانات الدبلوماسية والتحركات السياسية المحدودة، دون القدرة على تحويل التضحيات الكبيرة التي يقدمها الفلسطينيون إلى مكاسب سياسية واضحة على المستوى الدولي.

ويشير العويوي إلى أن هذا النمط من الأداء يعكس حالة عجز سياسي داخل بنية السلطة الفلسطينية، حيث بقيت أدوات العمل السياسي محصورة في المسار الدبلوماسي التقليدي، بينما تراجع الحضور السياسي الفاعل في الملفات الأساسية المرتبطة بالصراع مع إسرائيل.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

يأتي هذا الواقع في وقت يعيش فيه الفلسطينيون أوضاعاً ميدانية شديدة التعقيد.

ففي قطاع غزة، يواجه السكان تداعيات الحرب المستمرة وما خلفته من دمار واسع وأزمة إنسانية متفاقمة، بينما تشهد الضفة الغربية تصاعداً في الاقتحامات العسكرية وعمليات الاعتقال، إلى جانب توسع النشاط الاستيطاني في مناطق مختلفة.

وفي القدس المحتلة، تتواصل القيود الإسرائيلية المفروضة على الفلسطينيين، خصوصاً في ما يتعلق بالوصول إلى الأماكن المقدسة، وسط إجراءات أمنية مشددة تزيد من التوتر في المدينة.

وفي ظل هذه التطورات، يرى العويوي أن المواطن الفلسطيني بات يطرح أسئلة مباشرة حول دور القيادة السياسية، وحول قدرتها على إدارة المرحلة الحالية التي تتطلب قرارات سياسية واضحة وأدوات عمل تتجاوز حدود الخطاب السياسي التقليدي.

ويقول إن الفلسطيني الذي يواجه القصف والاقتحامات والاعتقال والتهجير لم يعد يسأل فقط عن مسار المواجهة مع الاحتلال، بل بدأ يسأل أيضاً عن موقع القيادة السياسية في هذه المواجهة، وعن قدرتها على تحويل التضحيات اليومية إلى نتائج سياسية ملموسة.

ويضيف أن السؤال الذي يتردد في الشارع الفلسطيني اليوم يتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية: موقع القيادة، وطبيعة المشروع الوطني الجامع، والقدرة على اتخاذ قرار سياسي قادر على توظيف حالة الصمود الشعبي في مواجهة الاحتلال.

أزمة الثقة بين الشارع وسلطة رام الله

يشير العويوي إلى أن غياب إجابات واضحة عن هذه الأسئلة يعمّق أزمة الثقة بين الشارع والقيادة، وهي أزمة بدأت تتراكم خلال السنوات الأخيرة نتيجة الجمود السياسي وتراجع فاعلية المؤسسات الوطنية.

ويرى أن تآكل الثقة بين المواطن والقيادة السياسية يحمل تداعيات مباشرة على مستوى الشرعية السياسية، إذ تصبح القيادة أقل قدرة على مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية، كما يصبح المجتمع أكثر عرضة لحالة الإحباط السياسي.

ويضيف أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى تفكك تدريجي في العلاقة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع الفلسطيني، وهو ما ينعكس بدوره على قدرة النظام السياسي الفلسطيني على إدارة المرحلة المقبلة.

ويؤكد العويوي أن أحد العوامل الأساسية في استعادة الثقة يتمثل في إعادة الاعتبار لمبادئ الشفافية والمحاسبة داخل المؤسسات الوطنية، بما يعزز حضور المؤسسات ويعيد بناء العلاقة بينها وبين المجتمع.

ويشير إلى أن بناء الثقة لا يتحقق عبر الخطاب السياسي أو الشعارات العامة، بل من خلال ممارسات عملية تترجم إلى سياسات واضحة وإجراءات ملموسة يشعر المواطن من خلالها بأن المؤسسات الوطنية تعمل لخدمته وتمثيل مصالحه.

ويرى أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة تقييم شاملة للأداء السياسي الفلسطيني، بما يشمل أدوات العمل السياسي، وآليات اتخاذ القرار، وطبيعة العلاقة بين القيادة والشارع.

فالمشهد الفلسطيني، وفق تقدير العديد من المحللين، يقف اليوم أمام مفترق طرق سياسي يتطلب مراجعة جدية لطبيعة إدارة الصراع مع الاحتلال، وللدور الذي يفترض أن تلعبه المؤسسات السياسية في تمثيل الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة الحساسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى