ماذا تبقى من صلاحيات سلطة رام الله باستثناء التنسيق الأمني؟

تتصاعد التساؤلات داخل الساحة الفلسطينية بشأن حقيقة ما تبقى من صلاحيات سلطة رام الله بعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيسها بموجب اتفاق أوسلو، وتحولها من مشروع حكم ذاتي انتقالي كان يفترض أن يقود إلى دولة مستقلة، إلى جهاز إداري محدود النفوذ يتركز دوره الأساسي في التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي.
وقد أنشئت السلطة وفق اتفاق أوسلو الموقع عام 1993 بين دولة الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها سلطة حكم ذاتي مؤقتة في الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات، على أن يتم التفاوض لاحقاً بشأن قضايا الحل النهائي.
لكن الفترة الانتقالية انتهت دون قيام الدولة الفلسطينية، ودون تجديد واضح لصلاحيات السلطة أو تطوير مكانتها السياسية، فيما استمرت دولة الاحتلال في التعامل معها كإطار إداري محدود وليس ككيان سيادي.
ورغم الاعتراف الدولي الواسع بدولة فلسطين، بقي هذا الاعتراف في معظمه رمزياً بسبب غياب التطبيق الفعلي على الأرض، إذ ترفض دولة الاحتلال الاعتراف بسيادة فلسطينية مستقلة، وتواصل التعامل مع المؤسسات القائمة تحت مسمى “السلطة الفلسطينية” لا “دولة فلسطين”.
وبحسب اتفاقات أوسلو، حصلت السلطة على صلاحيات مدنية في قطاعات محددة مثل التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والسياحة والضرائب والشرطة، بينما بقيت الملفات السيادية الأساسية، وفي مقدمتها الحدود والأمن والسيطرة على الأرض، بيد دولة الاحتلال.
ومع مرور السنوات، تعرضت هذه الصلاحيات المحدودة لمزيد من التآكل، خصوصاً مع التوسع الاستيطاني وإعادة تعزيز دور الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية، ما جعل نفوذ السلطة يتراجع حتى في الملفات التي كانت تعد ضمن اختصاصها.
اتفاق أوسلو ويكيبيديا
عمدت دولة الاحتلال على مدار سنوات بشكل تدريجي على تفريغ اتفاق أوسلو من مضمونه عبر فرض وقائع جديدة، شملت توسيع المستوطنات، وتشريع السيطرة على الأراضي، وتقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وزادت حكومة بنيامين نتنياهو من هذه السياسات عبر منح صلاحيات واسعة لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش داخل وزارة الدفاع للإشراف على ملفات مرتبطة بالضفة الغربية، في خطوة تعد نقلاً فعلياً للصلاحيات من الجيش إلى جهات سياسية استيطانية.
كما أثارت الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بتسجيل الأراضي وإدارة المنطقة “ج” مخاوف من تكريس واقع ضم تدريجي، عبر تقليص أي دور فلسطيني رسمي في إدارة الأرض، وتحويل السلطة إلى جسم بلا أدوات فعلية.
في المقابل، تواجه السلطة أزمة شرعية داخلية متفاقمة بفعل غياب الانتخابات منذ سنوات طويلة، وحل المجلس التشريعي عام 2018، واستمرار الحكم عبر القرارات الرئاسية، ما جعل المؤسسات الفلسطينية تفقد قدرتها على تجديد تمثيلها الشعبي.
كما ساهمت السلطة في إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية، التي شكلت تاريخياً الإطار السياسي الجامع للفلسطينيين، بعدما انتقل مركز القرار السياسي والمالي إلى مؤسسات السلطة في رام الله.
الانفصال عن الشارع الفلسطيني
تعمقت الانتقادات للسلطة بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث اتهمت قوى فلسطينية قيادة السلطة بالانفصال عن الشارع الفلسطيني، والتركيز على استعادة إدارة القطاع بدلاً من بناء موقف وطني موحد في مواجهة السياسات الإسرائيلية.
كما شكّل التنسيق الأمني أكثر الملفات إثارة للجدل، بحيث تحول إلى الوظيفة الوحيدة التي بقيت قائمة بصورة منتظمة لقيادة السلطة، بينما تراجعت بقية الصلاحيات السياسية والاقتصادية والإدارية تحت ضغط الاحتلال.
وبموجب التنسيق الأمني، تتعمد الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة ملاحقة المقاومين في الضفة الغربية ومنع تشكل حالة مقاومة واسعة ضد الاحتلال، بينما أصبح هذا الدور السبب الرئيسي وراء استمرار قبول تل أبيب ببقاء السلطة رغم إضعافها سياسياً.
وتروج قيادة السلطة بأن استمرار المؤسسات القائمة يمنع انهيار الوضع الفلسطيني ويفتح المجال للحفاظ على الاعتراف الدولي بالقضية الفلسطينية، وترى أن البديل سيكون فراغاً تستفيد منه دولة الاحتلال.
غير أن الأوساط السياسية والشعبية تجمع على أن الحفاظ على مؤسسات بلا صلاحيات حقيقية لا يكفي، وأن غياب استراتيجية سياسية وانتخابات وتجديد للشرعيات أدى إلى تراجع مكانة السلطة داخلياً وخارجياً.
كما أن الأزمة الأكبر باتت تتركز في طبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه، بعدما أصبح السؤال المطروح: هل ما زالت السلطة أداة انتقال نحو الدولة، أم أنها تحولت إلى إدارة محلية محدودة تحت سيطرة الاحتلال؟.
وبين استمرار الاحتلال وتراجع الصلاحيات وغياب المسار السياسي، يبقى جوهر الأزمة قائماً: سلطة أنشئت كمرحلة مؤقتة نحو الاستقلال، لكنها وجدت نفسها بعد عقود أمام واقع تتقلص فيه وظائفها باستثناء الملف الأمني، بينما تبتعد الدولة الفلسطينية أكثر عن التحقق على الأرض.





