تحليلات واراء

بعد ثلاثة عقود من أوسلو.. كيف اختلفت مقاربة منظمة التحرير وحماس في التفاوض مع الاحتلال؟

بعد أكثر من ثلاثين عاماً على توقيع اتفاق أوسلو، عادت المقارنة بين نهج منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس في إدارة التفاوض مع دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى واجهة النقاش السياسي، مع استمرار المفاوضات غير المباشرة بشأن حرب الإبادة على غزة، والجدل حول حدود كل مقاربة وقدرتها على تحقيق المطالب الفلسطينية.

ويرى باحثون أن الفارق الأساسي بين تجربتي منظمة التحرير وحماس لا يقتصر على شكل التفاوض، بل يمتد إلى فلسفة إدارة العملية التفاوضية نفسها، بين نموذج اعتمد التسوية السياسية التدريجية برعاية أمريكية ودولية في تسعينيات القرن الماضي، ونموذج يربط أي اتفاق بموازين القوى الميدانية والضمانات التنفيذية.

وقد شكّل اتفاق أوسلو عام 1993 نقطة تحول في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعدما اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بدولة الاحتلال مقابل الاعتراف الإسرائيلي بالمنظمة ممثلاً للشعب الفلسطيني.

لكن الاتفاق، لم يحسم القضايا الجوهرية المرتبطة بالصراع، بحيث أرجأ الملفات الرئيسية مثل القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات والأمن إلى مفاوضات الوضع النهائي.

ويشير مركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى أن اتفاق أوسلو صيغ بوصفه اتفاقاً انتقالياً، ولم ينص صراحة على إقامة دولة فلسطينية أو إنهاء الاحتلال، كما أن نهجه التدريجي فتح الباب أمام تعطيل تنفيذ الالتزامات وتأجيل الملفات الأكثر حساسية.

ويرى المركز أن اختلال ميزان القوى وغياب الإرادة السياسية والرؤية الثابتة لدى منظمة التحرير، وعدم ممارسة الولايات المتحدة ضغطاً كافياً لضمان تنفيذ الاتفاق، كانت عوامل رئيسية أسهمت في تعثر العملية السياسية.

كما اعتبر المركز الدولي، أن الاتفاق افتقر إلى آليات تنفيذ ملزمة أو جدول زمني يفرض إنهاء الاحتلال، وهو ما جعل كثيراً من الالتزامات عرضة للتأجيل والخلافات السياسية.

مسار مختلف لحركة حماس في التفاوض

في المقابل، تشير دراسات حديثة، بينها دراسة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، إلى أن حركة حماس انتهجت خلال مفاوضات الحرب على غزة أسلوباً تفاوضياً مختلفاً عن تجربة أوسلو.

فالحركة لم تدخل في مفاوضات مباشرة مع دولة الاحتلال، بل اعتمدت على وساطة مصر وقطر والولايات المتحدة، مع ربط أي تقدم تفاوضي بالتطورات الميدانية.

وبحسب الدراسة، فإن حماس أعادت تقييم تجربتها بعد الهدن الإنسانية الأولى، وخلصت إلى أن دولة الاحتلال استخدمت المفاوضات لتوسيع هامشها العسكري والسياسي، الأمر الذي دفع الحركة إلى التعامل مع العمل العسكري باعتباره أداة لتعزيز الموقف التفاوضي وليس بديلاً عنه.

وترى الدراسة أن حركة حماس ركزت على أهداف محددة، أبرزها وقف دائم للحرب، وانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية، وإعادة الإعمار، ورفع الحصار، وإتمام صفقات تبادل الأسرى.

الضمانات في صلب التفاوض

من أبرز الفوارق التي يوردها الباحثون بين تجربتي منظمة التحرير وحركة حماس أن قضية الضمانات التنفيذية أصبحت محوراً أساسياً في المفاوضات الحالية.

ففي حين تعرضت اتفاقيات أوسلو لانتقادات بسبب غياب آليات إلزام واضحة لتنفيذ بنودها، تشير دراسات مركز الجزيرة إلى أن حماس ركزت بصورة متكررة على ضرورة وجود ضمانات إقليمية ودولية تحول دون استئناف العمليات العسكرية بعد أي اتفاق.

وتوضح الدراسة أن مسألة ضمان عدم تجدد الحرب أصبحت من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمفاوض الفلسطيني، في ظل الكلفة الإنسانية الكبيرة التي خلفتها الحرب في قطاع غزة.

كما أن حركة حماس حرصت خلال جولات التفاوض على إجراء مشاورات مع عدد من الفصائل الفلسطينية بشأن المقترحات المطروحة، مع التركيز على تدقيق الصياغات والمصطلحات القانونية والسياسية، ولا سيما تلك المتعلقة بوقف إطلاق النار والانسحاب والضمانات.

وفي المقابل، فإن تجربة أوسلو تعرضت لانتقادات فلسطينية واسعة بسبب محدودية التوافق الوطني حول الاتفاق، إذ رفضته منذ البداية قوى فلسطينية عدة، من بينها حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرهم.

منظمة التحرير الفلسطينية ويكيبيديا

يجمع باحثون على أن أحد أكبر التحديات التي واجهت التجربتين يتمثل في اختلال ميزان القوى بين الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين.

ويشير مركز كارنيغي إلى أن هذا الاختلال رافق عملية مدريد وأوسلو منذ بدايتها، وأسهم في جعل المفاوضات تجري بين دولة قائمة وشعب ما يزال تحت الاحتلال، وهو ما انعكس على طبيعة الالتزامات وآليات تنفيذها.

أما دراسة مركز الجزيرة، فتشير إلى أن حماس حاولت تقليص أثر هذا الاختلال عبر استخدام ما تعتبره أوراق ضغط ميدانية وربط أي تنازل سياسي بتحقيق مكاسب ملموسة على الأرض.

وبالمجمل فإن أنصار مسار أوسلو يرون أنه وفر لأول مرة اعترافاً دولياً بمنظمة التحرير وأقام السلطة الفلسطينية، بينما يرى معارضوه أن الاتفاق لم يتضمن ضمانات كافية لإنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان، ما جعل العملية السياسية تتعثر لاحقاً.

وفي المقابل، يعتبر مؤيدو نهج حماس أن الحركة حاولت الاستفادة من دروس التجارب السابقة عبر التشديد على الضمانات وآليات التنفيذ وعدم الاكتفاء بالتفاهمات السياسية العامة فضلا عن حرص الحركة على التوافق الوطني قبل الموافقة على أي اتفاق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى