ياسر عباس.. صعود بلا حاضنة شعبية وغطاء دولي لا يعوّض شرعية الشارع

صعّد ياسر عباس، نجل رئيس سلطة رام الله محمود عباس، حضوره السياسي خلال الأشهر الأخيرة، في مسار أثار جدلاً واسعاً داخل حركة “فتح” والأوساط الفلسطينية بشأن موقعه في ترتيبات خلافة والده، بعدما انتقل من دور رجل الأعمال إلى عضوية اللجنة المركزية للحركة وتولي ملف العلاقات الخارجية، ثم الحصول على منصب نائب رئيس الاشتراكية الدولية عن منطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط.
وأصبح ياسر عباس، البالغ 64 عاماً، عضواً في اللجنة المركزية لحركة “فتح” بعد انتخابات المؤتمر العام الثامن للحركة في مايو/أيار 2026، في أول دخول رسمي له إلى أعلى هيئة قيادية في الحركة. وكانت هذه الخطوة قد سبقتها، أدوار غير رسمية ومستشارية مرتبطة ب عباس، بينها تعيينه قبل نحو خمسة أعوام “ممثلاً خاصاً للرئيس”.
وقد جاء صعود الابن السياسي بعد سنوات طويلة ظل خلالها معروفاً أساساً كرجل أعمال، مع ارتباط اسمه بشركات ومصالح تجارية في الأراضي الفلسطينية وخارجها.
ويشير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن ياسر عباس مولود عام 1962، ويحمل الجنسية الكندية، ويرأس مجموعة استثمارية مقرها الإمارات، كما يقضي معظم وقته في كندا.
وفتح انتقاله إلى مركز القرار في “فتح” باب التكهنات حول خلافة والده، خصوصاً أن محمود عباس، البالغ 90 عاماً، ما زال يترأس السلطة الفلسطينية وحركة “فتح”، فيما لم تُجرَ انتخابات رئاسية فلسطينية منذ سنوات طويلة.
وذكرت رويترز، قبيل المؤتمر الثامن، أن صعود ياسر أثار داخل الحركة مخاوف من أن يكون جزءاً من ترتيبات لخلافة والده، فيما رأى منتقدون أن تقديمه إلى الواجهة قد يزيد حالة الابتعاد الشعبي عن قيادة السلطة.
ياسر عباس ويكيبيديا
لا يملك ياسر عباس، حتى الآن، سجلاً انتخابياً شعبياً مستقلاً يؤهله للقول إنه يستند إلى حاضنة جماهيرية واسعة. فقد جاء صعوده السياسي من داخل منظومة “فتح” والمؤسسات المرتبطة بالقيادة الفلسطينية، بينما ظل نشاطه العام قبل ذلك مرتبطاً بدرجة أكبر بعالم الأعمال والأدوار التي أسندت إليه من دائرة والده.
لذلك ينظر إلى صعوده باعتباره مساراً داخلياً يجري بناؤه من أعلى إلى أسفل، لا نتيجة حضور جماهيري أو قاعدة سياسية مستقلة.
وتعزز هذا المسار بتكليفه بملف العلاقات الخارجية في “فتح”، وهو موقع يمنحه مساحة واسعة للتحرك خارجياً وتقديم نفسه بوصفه أحد الوجوه الجديدة للقيادة الفلسطينية.
وأكدت حركة “فتح” بعد عقد مؤتمرها العام الثامن في أيار/مايو الماضي، اعتماد ياسر عباس مفوضاً عاماً للعلاقات الخارجية في الحركة، قبل انتخابه نائباً لرئيس الاشتراكية الدولية عن منطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط.
وقدم هذا المنصب الدولي الجديد لياسر عباس غطاءً سياسياً خارجياً في توقيت حساس بالنسبة لقيادة سلطة رام الله، لكنه فتح في الوقت نفسه باباً للسخرية والانتقاد، خصوصاً من الذين يرون أن صعوده الدولي لا يتناسب مع حضوره الشعبي المحدود داخل فلسطين.
واعتمدت رئاسة الاشتراكية الدولية في 7 سبتمبر/أيلول تعيين ياسر عباس نائباً لرئيس المنظمة عن منطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط، فيما يرأس المنظمة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.
ويمنح المنصب عباس الابن منصة دولية مهمة، لكنه لا يحل السؤال الأساسي حول شرعيته السياسية داخل المجتمع الفلسطيني. فالعلاقات الدولية والمناصب الحزبية لا تعادل تفويضاً شعبياً، ولا يمكن لمنصب في منظمة دولية أن يعوض غياب الانتخابات الوطنية أو وجود قاعدة جماهيرية واضحة.
ويأتي ذلك فيما تواجه سلطة رام الله أزمة شرعية سياسية ومؤسساتية متراكمة، وتتعرض قيادة “فتح” لانتقادات داخلية وخارجية بسبب غياب الانتخابات وتراجع الثقة الشعبية.
ووصفت رويترز صعود ياسر عباس بأنه يأتي في ظل صراع على خلافة قيادة السلطة، بينما أشارت إلى أن السلطة تعاني منذ سنوات من أزمة شرعية وغياب الانتخابات.
وتضع هذه التطورات ياسر عباس أمام معادلة واضحة: مسار داخلي يجري عبر “فتح” ومواقعها القيادية، ومسار خارجي يجري عبر العلاقات الدولية والحضور الحزبي العالمي.
وبين المسارين، يبقى السؤال الأكثر حساسية هو ما إذا كان هذا الصعود يمثل إعداداً فعلياً لخلافة محمود عباس، أم مجرد محاولة لتعزيز موقع الابن داخل منظومة القيادة دون أن تكون هناك خطة محسومة للانتقال السياسي.
ويبقى المؤكد أن ياسر عباس انتقل خلال أشهر قليلة من رجل أعمال كان حضوره السياسي محدوداً إلى عضو في اللجنة المركزية لـ”فتح” ومفوض عام لعلاقاتها الخارجية ونائب لرئيس الاشتراكية الدولية.
أما تحويل هذا الصعود إلى شرعية وطنية أو تفويض شعبي، فيظل أمراً مختلفاً لا توفره المناصب وحدها، وتبقى الإجابة عنه مرتبطة بمدى قدرة أي قيادة فلسطينية مقبلة على استعادة ثقة الشارع وإجراء انتخابات ذات تمثيل حقيقي.





