ظاهرة التيارات المتصارعة داخل فتح تتكرس بعد أشهر على المؤتمر العام الثامن

تتكرس داخل حركة فتح، بعد أربعة أشهر من انعقاد مؤتمرها العام الثامن، ظاهرة تعدد التيارات ومراكز النفوذ، رغم تأكيد قيادة الحركة عند عقد المؤتمر على تعزيز الوحدة الداخلية وتجديد المؤسسات التنظيمية.
وأظهرت التطورات التي أعقبت المؤتمر العام للحركة أن إعادة تشكيل اللجنة المركزية لم تنه الخلافات بين أقطاب الحركة، بل نقلتها إلى مرحلة أشد وأكثر علانية من التنافس على المواقع والصلاحيات والنفوذ داخل القيادة وفي الساحة الفلسطينية.
وعقدت فتح مؤتمرها العام الثامن في أيار/مايو 2026، بالتزامن بين رام الله وقطاع غزة والقاهرة وبيروت، بمشاركة نحو 2580 عضواً، وانتخبت 18 عضواً للجنة المركزية و80 عضواً للمجلس الثوري. وانتخب المؤتمر محمود عباس رئيساً للحركة بالإجماع.
وأفرزت الانتخابات صعود مجموعة من الأسماء إلى اللجنة المركزية، بينها ياسر عباس، نجل الرئيس محمود عباس، وحسين الشيخ، وجبريل الرجوب، ومحمود العالول، وتوفيق الطيراوي، إلى جانب أحمد حلس وتيسير البرديني وزكريا الزبيدي وماجد فرج وغيرهم ضمن عملية إعادة توزيع موازين القوة بين شخصيات وتيارات متعددة.
لكن الخلافات تصاعدت سريعاً بعد المؤتمر عندما غاب محمود العالول وجبريل الرجوب عن اجتماعات لاحقة للجنة المركزية، احتجاجاً على اختيار حسين الشيخ نائباً لرئيس الحركة.
حركة فتح ويكيبيديا
وزعت اللجنة المركزية لاحقاً عدداً من الملفات، فأسندت إلى ياسر عباس مفوضية العلاقات الدولية، وإلى توفيق الطيراوي مفوضية التعبئة والتنظيم، فيما أظهرت هذه الترتيبات وجود تباينات واضحة بين مراكز القوة داخل القيادة الجديدة، خصوصاً بين المجموعة المحيطة بحسين الشيخ وياسر عباس وتوفيق الطيراوي، وبين العالول والرجوب.
بموازاة ذلك بقيت شخصيات فتحاوية خارج التشكيلة القيادية أو على هامشها السياسي مثل ناصر القدوة وقدور فارس وأحمد غنيم، فيما استمر تيار محمد دحلان خارج الأطر الرسمية للحركة.
وكان دحلان قد فُصل من فتح عام 2011، ولم يؤد المؤتمر الثامن إلى عودته إلى مؤسسات الحركة، رغم طرح مسألة المصالحة معه وإعادة بعض الشخصيات التي كانت خارج التنظيم قبل المؤتمر.
وتظهر انعكاسات هذه الخلافات بصورة أكثر وضوحاً في قطاع غزة، حيث تتحدث مصادر فتحاوية وتقارير محلية عن تصاعد التنافس بين عدد من القيادات والكوادر التنظيمية.
وبرَز في هذا السياق اسم حاتم أبو الحصين، الذي كان أمين سر إقليم شمال غزة، في مواجهة ترتيبات القيادة الحالية التي يقودها أحمد حلس في قطاع غزة.
وتحدثت تقارير متطابقة عن خلافات بين أبو الحصين وحلس بشأن تكليف الهيئة القيادية في قطاع غزة، مشيرة إلى أن أبو الحصين غادر اجتماعاً عقده حلس غاضباً اعتراضاً على الأسماء المطروحة للتكليف.
وعمد أبو الحصين إلى حشد أنصاراً له في شمال القطاع، في ظل خلاف حول موقعه في الترتيبات التنظيمية وقائمة مرشحي فتح للانتخابات التشريعية المقبلة.
وتكشف هذه التطورات أن المؤتمر الثامن لم يضع حداً للصراع الداخلي في فتح، بل أعاد توزيع مواقع القوة وفتح مرحلة جديدة من التنافس بين مراكز النفوذ. وبينما تؤكد قيادة الحركة رسمياً أن المؤتمر عزز الديمقراطية والوحدة والتجديد، فإن مقاطعة قيادات بارزة لاجتماعات المركزية، والخلاف على توزيع المفوضيات، واستمرار الصراع على التمثيل في غزة، تشير إلى أن سؤال وحدة الحركة ما زال مفتوحاً.
وتواجه فتح بذلك اختباراً تنظيمياً وسياسياً مع اقتراب استحقاقات انتخابية فلسطينية مرتقبة، إذ سيكون على قيادتها احتواء الخلافات بين أجنحتها ومنع انتقالها من صراع داخل الأطر القيادية إلى صراع ميداني على النفوذ والتمثيل.





