تحليلات واراء

حصاد عباس: نظام سياسي مترهل تحكمه شيخوخة القيادة وسطوة الأمن والمال السياسي

يقترب رئيس سلطة رام الله وحركة فتح محمود عباس من إتمام 22 عاما في منصبه وسط حصاد مر على الفلسطينيين أنتج لهم نظاما سياسيا مترهلا تحكمه شيخوخة القيادة وسطوة الأمن والمال السياسي

وبحسب التاريخ الحالي 16 سبتمبر/أيلول 2026، يكون عباس قد أمضى في رئاسة السلطة نحو 21 سنة و8 أشهر، علما أن الولاية الانتخابية الأصلية كانت أربع سنوات وفق تعديل القانون الأساسي الصادر في أغسطس/آب 2005، ما يعني أن الولاية الأصلية انتهت في يناير 2009.

وقد شخّص الكاتب والمحلل السياسي عريب الرنتاوي، مستشار ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية، طبيعة النظام السياسي الفلسطيني القائم باعتباره نظاماً يعاني من “الشيخوخة والترهل”، بعدما استمر جيل من الحرس القديم في الإمساك بمفاصل السلطة والمؤسسات، فيما يجري ملء مواقعها الشاغرة بشخصيات تنتمي إلى المنظومة ذاتها وتحمل ملامحها السياسية والتنظيمية.

ويبرز الرنتاوي أن هذا الواقع جعل النظام مطعوناً في شرعيته وكفاءته، وحوّل الانتخابات التي يفترض أن تكون أداة لتجديد المؤسسات والنخب إلى جزء من أزمة أعمق تتعلق بإعادة إنتاج النظام نفسه بدلاً من إصلاحه وتجديده.

استحقاق الانتخابات الفلسطينية

قال الرنتاوي في تقديره المنشور بعنوان “الانتخابات الفلسطينية العامة.. السياق، المواقف والسيناريوهات”، إن ما يصفه بأزمة النظام السياسي الفلسطيني لم يعد منفصلاً عن طبيعة العلاقة بين مراكز السلطة والنفوذ الأمني والمالي.

واعتبر أن استمرار الحرس القديم في قيادة المؤسسات وإعادة إنتاج رموزه وشخصياته يمثل ثمرة مرة لما وصفه بـ”زواج متعة” بين سطوة الأمن وسلطة الأجهزة وبريق المال السياسي.

وأضاف أن الانتخابات، في سياقها وإجراءاتها الحالية، لا تبدو بالنسبة إليه محطة واضحة لتشبيب النظام واستعادة شرعيته، وإنما جزءاً من عملية أوسع لإعادة “هندسة” السلطة ومنظمة التحرير والمؤسسات الفلسطينية بما يحافظ على موازين القوى القائمة ويعيد إنتاجها.

وربط الرنتاوي بين المراسيم الرئاسية الأخيرة وبين إعادة تشكيل بنية النظام السياسي الفلسطيني، مشيرا إلى أن عباس أصدر في 14 حزيران/يونيو مرسوماً رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 إلى 200 عضو، مع اعتماد هؤلاء أعضاء تلقائيين عن الداخل في المجلس الوطني، الذي حُدد قوامه بـ350 عضواً، بينهم 150 يمثلون الخارج والشتات.

كما أبقى النظام الانتخابي الباب مفتوحاً لاختيار ممثلي الخارج عبر الانتخاب حيثما أمكن، أو المجاميع الانتخابية والتوافق والتعيين حيث يتعذر الاقتراع.

ولفت إلى أن مرسوماً لاحقاً أعاد عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 132 عضواً، فيما جرى تحديد موعد الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بينما أُجلت الانتخابات الرئاسية إلى الربع الأول من عام 2027.

وتروج الرئاسة أن هذه الإجراءات تستهدف تعزيز المشاركة وتجديد شرعية المؤسسات، بينما يرى الرنتاوي أن تعاقب المراسيم وغياب ما يسميه “الأسباب الموجبة” التي تشرح خلفيات القرارات، عمّقا الشكوك بدلاً من تبديدها.

واعتبر الرنتاوي أن جوهر الأزمة لا يرتبط بالانتخابات باعتبارها حقاً ديمقراطياً، وإنما بالسياق الذي تجري فيه وبالطريقة التي يجري من خلالها تصميم قواعدها.

وقال إن غالبية القوى والشخصيات الفلسطينية، باستثناء فريق القيادة المتنفذة في السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح، ترى أن الانتخابات بصيغتها الحالية لا تمثل الاستحقاق الذي طالما جرى المطالبة به باعتباره أداة لتجديد الشرعية وتشبيب النظام السياسي.

نظام مطعون في شرعيته وكفاءته

شدد الرنتاوي على أن استمرار الجيل القديم في قيادة المؤسسات الفلسطينية، مع إعادة إنتاج النخب ذاتها داخل مواقع القرار، جعل النظام، مطعوناً في شرعيته وكفاءته. وربط ذلك بتداخل نفوذ الأجهزة الأمنية والسلطة السياسية والمال، معتبراً أن الانتخابات بصيغتها الحالية قد لا تؤدي إلى تجديد النظام، وإنما إلى إعادة إنتاجه بأدوات جديدة.

وانتقد كذلك خفض عتبة الحسم الانتخابية إلى 1 بالمئة، معتبراً أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى دخول عدد كبير من النواب الأفراد إلى المجلس، على حساب التمثيل الفصائلي، وتحويل المؤسسة التشريعية إلى مساحة يغلب عليها الطابع المحلي والخدماتي.

ورأى أن هذا الوضع قد يزيد قابلية النواب للاعتماد على السلطة والأجهزة ومراكز النفوذ، بدلاً من تشكيل مؤسسة سياسية قادرة على ممارسة الرقابة والتشريع وصناعة السياسات.

وذهب إلى أن جوهر الاعتراضات الفلسطينية يتصل بما يعتبره محاولة لـ”إعادة هندسة النظام السياسي”، بدلاً من فتح حوار وطني شامل يسبق الانتخابات ويحدد قواعدها وأهدافها. وانتقد غياب حوار موسع مع الفصائل والقوى والشخصيات والمبادرات الفلسطينية قبل إصدار المراسيم، معتبراً أن هذا المسار يعزز الانطباع بأن الانتخابات مصممة بما يتناسب مع موازين القوى القائمة.

وتناول الرنتاوي كذلك الخلاف حول تمثيل الفلسطينيين في الخارج، مشيراً إلى استبعاد أكثر من ستة ملايين فلسطيني في الأردن وإسرائيل من تمثيل المجلس الوطني. كما انتقد الجمع بين الانتخاب والتعيين، معتبراً أن هذه الآلية لا تؤثر فقط في تمثيل الشتات، وإنما يمكن أن تمتد إلى الداخل أيضاً.

وأشار إلى أن معظم الفصائل الفلسطينية أبدت استعداداً للمشاركة في الانتخابات، رغم اعتراضاتها على التعيين والمجاميع الانتخابية والقيود القانونية، فيما طرحت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تأجيل الاستحقاق لإجراء حوارات وطنية تسبق الانتخابات. وفي المقابل، دعا نشطاء وجاليات وشخصيات فلسطينية إلى مقاطعة ما وصفوه بـ”الهندسات المسبقة”.

وطرح الرنتاوي أربعة سيناريوهات لمسار الانتخابات، أبرزها تأجيلها أو ترك موعدها مفتوحاً بما يشبه الإلغاء، فيما رأى أن احتمال إجراء الانتخابات في موعدها، قبل معالجة الانقسام داخل فتح والتوصل إلى تفاهمات أوسع، يبقى السيناريو الأقل ترجيحاً في تقديره.

وربط ذلك أيضاً بأزمة فتح الداخلية وتعدد تياراتها، وباحتمال تأثير المبادرات الهادفة إلى توحيد الحركة قبل الاستحقاق الانتخابي.

وخلص الرنتاوي إلى أن أزمة الانتخابات هي في جوهرها جزء من أزمة أوسع تتعلق بشرعية النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على تمثيل الفلسطينيين في الداخل والشتات.

وبهذا الصدد دعا إلى تشكيل أطر وطنية جديدة تضم الفصائل والشخصيات المستقلة والمبادرات الشعبية، بالتوازي مع بلورة قطب وطني ديمقراطي يضم الأجيال الجديدة والناشطين خارج الأطر التقليدية، بهدف إعادة بناء التوازن داخل النظام السياسي واستعادة دور منظمة التحرير كمؤسسة تمثيلية جامعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى