تحليلات واراء

ذكرى توقيع اتفاق أوسلو وتهرب حركة فتح من الحساب الشعبي العسير

يتجدد النقاش الفلسطيني حول اتفاق أوسلو مع حلول ذكرى توقيعه في 13 سبتمبر/أيلول 1993، في وقت يتم الترويج فيه لدعوات محاسبة المقاومة على هجوم طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونتائجه، بينما تتجنب قيادة حركة فتح ومنظمة التحرير فتح ملف الاتفاق الذي أسس سلطة رام الله وأدخل القضية في مسار سياسي كان يفترض أن يقود خلال سنوات قليلة إلى تسوية نهائية ودولة فلسطينية.

وتطرح هذه المفارقة سؤالاً يتجاوز الخلاف بين فتح وحماس: إذا كانت المحاسبة الوطنية مطلوبة، فلماذا تُفتح صفحة واحدة من دفتر الحساب ويُترك باقي الدفتر مغلقاً؟.

وقد نص إعلان المبادئ الموقع عام 1993 بوضوح على إنشاء سلطة فلسطينية انتقالية في الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة لا تتجاوز خمس سنوات، على أن تقود المرحلة الانتقالية إلى تسوية دائمة. كما نص على بدء مفاوضات الوضع النهائي في موعد لا يتجاوز بداية السنة الثالثة، وأن تشمل القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود وغيرها من القضايا الأساسية.

لكن السنوات الخمس تحولت إلى أكثر من ثلاثة عقود، بينما بقيت الدولة الفلسطينية غائبة، وتحولت السلطة الانتقالية إلى واقع سياسي دائم من دون سيادة كاملة على الأرض.

سلطة بلا سيادة

قسمت اتفاقات أوسلو الضفة الغربية إلى مناطق A وB وC، مع تصور لانتقال تدريجي للصلاحيات. ونص اتفاق أوسلو الثاني على أن تنتقل الصلاحيات المتعلقة بالأرض في المنطقة C تدريجياً إلى الولاية الفلسطينية خلال مراحل محددة، باستثناء قضايا الوضع النهائي. لكن هذا المسار لم يكتمل.

وتشكل المنطقة C نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وتضم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والموارد والأراضي القابلة للتوسع. وأكد تقرير للجنة الرباعية أن نقل المزيد من الصلاحيات إلى السلطة الفلسطينية في المنطقة C، كما نصت عليه الاتفاقات السابقة، توقف فعلياً، بل تراجع في بعض الجوانب.

وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات أوسلو: نشأت سلطة فلسطينية تمتلك وزارات وأجهزة أمنية ومؤسسات وموازنات ومناصب، لكنها لم تمتلك السيادة على الأرض التي يفترض أن تقود إليها العملية السياسية.

وأصبح الفلسطيني قادراً على إدارة أجزاء من حياته اليومية داخل مناطق محددة، بينما ظلت قضايا الحدود والأجواء والمياه والقدس والاستيطان ومساحات واسعة من الأرض مرتبطة بالسيطرة الإسرائيلية أو بمفاوضات لم تصل إلى نهايتها.

الاستيطان يلتهم “المرحلة الانتقالية”

لم ينتظر الاستيطان انتهاء مفاوضات الوضع النهائي. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية بلغ نحو 250 ألفاً في عام 1993، بينما وصل العدد إلى نحو 700 ألف بحلول نهاية عام 2023.

وفي عام 2023 وحده، تقدمت دولة الاحتلال الإسرائيلي بخطط وعطاءات لبناء 30,682 وحدة استيطانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بينها 12,349 وحدة في الضفة الغربية و18,333 في القدس الشرقية، في أعلى مستوى لتقدم الخطط في الضفة منذ توقيع أوسلو، وفق تقرير للاتحاد الأوروبي منشور عبر الأمم المتحدة.

وتكشف هذه الأرقام جوهر الأزمة: بينما كان الجانب الفلسطيني ينتظر قيام الدولة من خلال التفاوض، كانت الخريطة على الأرض تتغير بصورة متسارعة.

فإذا كان أوسلو طريقاً إلى الدولة، يصبح السؤال مشروعاً: كيف تضاعف عدد المستوطنين تقريباً ثلاث مرات منذ توقيع الاتفاق، بينما لم تتحول المرحلة الانتقالية إلى دولة؟

قضايا الدولة بقيت معلقة

ترك اتفاق أوسلو ملفات القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية وقضايا أخرى إلى مفاوضات الوضع النهائي. لكن هذه المفاوضات لم تنتج تسوية نهائية.

ويقر توثيق الأمم المتحدة بأن جولات لاحقة من مفاوضات الوضع النهائي، بما فيها مفاوضات 2000-2001 و2007-2008 و2013-2014، لم تصل إلى نتيجة حاسمة.

وبذلك تحول “المؤقت” إلى وضع طويل الأمد، وتحولت السلطة التي كان يفترض أن تكون جسراً إلى الدولة إلى مؤسسة قائمة بذاتها، بينما بقي الاحتلال والاستيطان والقضايا الجوهرية بلا حل.

ولا يعني ذلك أن أوسلو وحده يفسر كل ما حدث في السنوات الثلاثين الماضية، أو أن مسؤولية الفشل تقع على طرف واحد. فقد لعبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، والاستيطان، والانقسام الفلسطيني، والظروف الإقليمية والدولية، دوراً أساسياً في إفشال المسار السياسي.

لكن تحميل المقاومة وحدها مسؤولية النتائج الكارثية للحرب، مع إعفاء القيادة التي قادت المسار السياسي منذ أوسلو من مراجعة تجربتها، يمثل محاسبة انتقائية.

لماذا يخشى البعض فتح دفتر أوسلو؟

تطالب أصوات داخل حركة فتح والسلطة، فصائل المقاومة بمراجعة 7 أكتوبر والاعتذار عن نتائجه، وهو مطلب يمكن مناقشته سياسياً ووطنياً. لكن السؤال المقابل لا يقل أهمية: لماذا لا يخضع مسار أوسلو أيضاً للمراجعة؟

ولماذا تكون المحاسبة واجبة على قرار عسكري وسياسي، لكنها تصبح محرمة عندما يتعلق الأمر باتفاق سياسي استمر أكثر من ثلاثين عاماً؟، كما لماذا لا يُسأل صانعو القرار عن النتائج الفعلية للاتفاق حيث لم تظهر الدولة الفلسطينية الموعودة إلى النور ولم يتوقف الاستيطان ولم ينته الاحتلال.

ويضع كل ذلك ذلك حركة فتح وقيادة منظمة التحرير أمام امتحان سياسي صعب. فقد ارتبط اسم الحركة منذ توقيع أوسلو بإدارة السلطة وبالمسار التفاوضي وبالقرارات السياسية والأمنية التي تشكلت خلال العقود التالية.

ولهذا فإن محاولة مطالبة الآخرين بالاعتذار من دون تقديم كشف حساب شامل عن المرحلة التي قادتها فتح ستصطدم حتماً بسؤال الشارع الفلسطيني: ماذا عن أوسلو؟

والمطلوب ليس محاكمة التاريخ بأثر رجعي، ولا إنكار الظروف التي دفعت منظمة التحرير إلى قبول الاتفاق، وإنما فتح نقاش وطني جاد حول ما تحقق وما فشل، ومن اتخذ القرارات، وما البدائل التي جرى استبعادها، ولماذا تحولت السلطة المؤقتة إلى بنية سياسية دائمة من دون الوصول إلى الدولة باعتبار أن المحاسبة الوطنية لا تعني أن خطأ يبرر خطأ آخر، ولا أن فشل مسار يبرر نتائج مسار آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى