تحليلات واراء

حسين الشيخ.. إعادة تدوير وإنتاج الطبقة المتشبّثة بالسلطة بأي ثمن وكل ثمن

تزايد نشاط حسين الشيخ، نائب سلطة رام الله محمود عباس، بصورة ملحوظة خلال الأسابيع والشهور الماضية، مع تكثيف زياراته التفقدية للأجهزة الأمنية وهيئات رسمية أخرى، وترؤسه اجتماعات موسعة تضم رئيس الحكومة والوزراء وقادة الأجهزة الأمنية، وتسمى مجازاً “القيادة الفلسطينية”، إلى جانب ترؤسه اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واللجنة المركزية لحركة “فتح”، بعدما انتخب نائباً لرئيس الحركة.

وكثف الشيخ، بالتوازي مع نشاطه الداخلي، لقاءاته الخارجية واستقباله السفراء المعتمدين في رام الله، وإجراء الاتصالات واللقاءات مع قادة ومسؤولين في العالم العربي والمجتمع الدولي، ليؤدي عملياً دوراً يجمع بين عمل رئيس الوزراء ووزير الخارجية، في ظل رئيس حكومة هو محمد مصطفى الذي يبدو أقرب إلى مساعد له، ووزيرة خارجية هي فارسين أغابكيان أقرب إلى وزيرة دولة.

وبدأ الإعلام الفلسطيني الرسمي يستخدم في وصف الشيخ عبارة “السيد نائب الرئيس”، في تذكير بالعبارة الشهيرة التي استخدمت لتوصيف صدام حسين عندما كان نائباً متنفذاً للرئيس العراقي المريض أحمد حسن البكر في منتصف سبعينيات القرن الماضي، في مسار بدا تمهيداً واضحاً لتسلمه الرئاسة، وهو ما حصل فعلاً ورسمياً بعد سنوات قليلة.

وترأس الشيخ، بعد المؤتمر الثامن لحركة “فتح”، الذي كان أحد عرّابيه ومهندسيه، اجتماعات اللجنة المركزية، بعدما انتخبته اللجنة في اجتماعها الأول نائباً لرئيس الحركة محمود عباس، خلفاً لمحمود العالول.

حسين الشيخ ويكيبيديا

أبرز الكاتب والمحلل ماجد عزام، أن حسين الشيخ، بدا في ضوء اتساع نشاطه، وكأنه يقود فعلاً أو يتحكم بالسلطة وأجهزتها وحركة “فتح” ومنظمة التحرير، فيما تبقى الدولة على الورق، أي كامل المنظومة الفلسطينية الرسمية.

وأشار عزام إلة أن النشاط الداخلي للشيخ عكس نشاطاً خارجياً لافتاً، شمل استقبال السفراء العرب والأجانب في رام الله وزيارات للعواصم المركزية المؤثرة عربياً وإقليمياً ودولياً، واتصالات مباشرة بقادة المجتمع الدولي ومبعوثيه.

وبرز في هذا السياق تعاطي وزارة الخارجية الأميركية واحتفاؤها بتغريدة للشيخ أشاد فيها بتشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة في يناير/كانون الثاني، إلى جانب اجتماعاته مع الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ميلادينوف، وتأسيس مكتب ارتباط للسلطة مع المجلس يديره رئيس الوزراء محمد مصطفى، بما بدا تعبيراً عن تراتب المسؤولية.

وأجرى الشيخ كذلك لقاءات مستمرة مع عضو مجلس السلام المتنفذ توني بلير، صاحب التأثير الكبير والبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتعلقة بالتعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة، وهي الملفات التي حضرت في خطة الرئيس دونالد ترامب واتفاق وقف إطلاق النار المنبثق عنها.

قانونية تعيين حسين الشيخ نائبا للرئيس

أبرز عزام أن مسألة تعيين الشيخ من قبل محمود عباس، في ظل انتهاء الفترة الرئاسية المقررة قانونياً منذ عام 2009 وعدم إجراء الانتخابات أو التوافق الوطني على ترتيب انتقالي، تطرح سؤالاً حول أحقية عباس في فرض وقائع سياسية قد تكون مستدامة في المشهد الفلسطيني، خصوصاً أن تعيين الشيخ جاء في سياق الحديث عن إصلاح السلطة وتجديدها.

ويشير عزام إلى أن الإصلاح الحقيقي يفترض الشروع في حوار فلسطيني جاد، ووضع خريطة طريق توافقية تتضمن تكليف شخصية وطنية مستقلة وكفؤة ونزيهة لتشكيل حكومة واسعة تدير السلطة والواقع الفلسطيني ككل، وتهيئ البيئة لإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات والتعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة في الضفة الغربية، وإجراء الحزمة الانتخابية الكاملة، بما يوفر المصداقية والجدارة والنزاهة اللازمة لنيل الدعم العربي والدولي.

وينتمي الشيخ، بحسب عزام، إلى المنظومة السياسية التي أوصلت الواقع الفلسطيني إلى ما وصل إليه، في سلطة لم تنجح حتى في بناء مستشفى لتقديم العلاج لقادتها، ناهيك عن أبناء الشعب الفلسطيني، بدلاً من المستشفيات الإسرائيلية.

ولذلك يُطرح تعيينه باعتباره إعادة تدوير وإنتاجاً للطبقة نفسها المتشبثة بالسلطة بأي ثمن وكل ثمن، حتى لو كانت سلطة بلا سلطة فعلية، وفق التعبير الدارج على لسان مسؤوليها أنفسهم.

فشل سلطة رام الله

أبرز عزام فشل سلطة رام الله في تحقيق الآمال الوطنية للشعب الفلسطيني بالاستقلال والسيادة وتقرير المصير، وفي الحد الأدنى حمايته من بطش الاحتلال وانفلات المستوطنين وتوفير سبل الحياة الكريمة. وتتحمل مسؤولية القضايا الاقتصادية والاجتماعية في الضفة، من دون إعفاء الاحتلال من مسؤولية جرائم القتل والتهجير والاستيطان والضم غير المعلن.

وتزامن ذلك مع مبادرة الفلسطينيين إلى الإمساك بزمام الأمور عبر مقاومة شعبية متفرقة وغير مؤطرة، في غياب مأسسة من السلطة والفصائل المنشغلة بالانتخابات وتحالفاتها.

كما تبدو السلطة، وفق عزام، “طرفا رئيسيا في الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة وغزة، فيما ظهرت أحياناً وكأنها راضية بالواقع ومتحللة من عبء غزة، وبدا أداؤها عاجزاً ومهمشاً وفاقداً للتأثير والفاعلية خلال حرب الإبادة المستمرة بأشكال أخرى.

وتبدو الانتخابات، في هذا السياق، أحياناً أقرب إلى الفلكلور والدعاية، مع الإعلان أولاً عن انتخابات المجلس الوطني والاستفتاء على الدستور الموعود، ثم العودة إلى الحزمة الانتخابية الكاملة التي تبدأ بالرئاسة والمجلسين التشريعي والوطني، رغم الإصرار على انطلاقها نهاية نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ويشترط قادة السلطة إجراء الانتخابات في القدس وغزة، بينما أقر الشيخ نفسه بعدم وجود موافقة إسرائيلية لإجرائها في القدس، وعدم وجود استعدادات أو خطوات فعلية في غزة، قائلاً إن الاستعدادات فيها “صفر”.

وتملك قيادة السلطة، في المقابل، خطة “ب” تتضمن إعادة تشكيل المجلس الوطني بالتوافق، وتنازل عباس عن مناصبه وصلاحياته لنائبه، واعتبار ذلك ضمن خطوات الإصلاح والتجديد في السلطة.

ويبرز هنا الفرق بين نموذج الشيخ ونموذج صدام حسين، إذ فرض صدام قبضته التامة على الحزب الحاكم ومفاصل السلطة بسبب مرض البكر وعجزه أو لأسباب أخرى، وأصبح تسلمه الرئاسة مسألة وقت، وتحول السؤال من “هل” إلى “متى”.

أما الشيخ، فيتحرك بتفاهم تام مع محمود عباس، الرئيس التسعيني، الذي لا يزال متحكماً بالقرار النهائي، ويبدو الشيخ بالنسبة إليه كما يبدو محمد مصطفى وآخرون بالنسبة إلى الشيخ نفسه.

ويعني ذلك، وفق قراءة عزام، أن تسليم ونقل السلطة يجريان وفق ما يشتهي عباس، للحفاظ على ما يمكن تسميته مجازاً “إرثه” السياسي والسلطوي، وضمان مصالح وامتيازات العائلة، حتى لا تلقى مصير عائلة جمال عبد الناصر في زمن أنور السادات، وعائلة الأخير في زمن حسني مبارك، وعائلة أبو علاء تحت سيطرة النظام الحالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى