50 مليار شيكل ديون على سلطة رام الله.. أين ذهب المال وبقيت الفاتورة؟

تواجه سلطة رام الله أزمة مالية غير مسبوقة، بعدما تراكمت عليها التزامات وديون تقارب 50 مليار شيكل إسرائيلي، في وقت تواصل فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي احتجاز جانب كبير من أموال المقاصة الفلسطينية، ما يفتح سؤالاً أكثر تعقيداً حول كيف تراكم هذا الحجم من الديون، وأين ذهبت الموارد التي كانت تدخل خزينة السلطة على مدى سنوات؟.
وتظهر أحدث البيانات الاقتصادية أن الأزمة لا يمكن تفسيرها بالكامل بأموال المقاصة المحتجزة، رغم أن هذه الأموال تمثل العامل الأكبر في الانهيار النقدي الحالي.
فقد قدرت دراسة لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني “ماس” أن “إسرائيل” احتجزت حتى نهاية 2025، نحو 5.8 مليارات شيكل من أموال المقاصة بين 2021 و2024، إضافة إلى 3.6 مليارات شيكل أخرى خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من 2025. وبذلك تجاوزت الأموال المحتجزة أو المخصومة في تلك الفترة 9.4 مليارات شيكل.
وتكشف البيانات نفسها أن المتأخرات المتراكمة على السلطة وصلت إلى 15.1 مليار شيكل بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بزيادة 26% خلال عام واحد، وبنحو 180% مقارنة بنوفمبر/تشرين الثاني 2021.
وتشمل هذه المتأخرات مستحقات لموظفين وموردين وجهات أخرى، ولا تظهر بالكامل ضمن أرقام الدين العام الرسمي، ما يجعل الصورة المالية الفعلية أكثر تعقيداً من الرقم المعلن للدين.
فساد السلطة الفلسطينية
ارتفع اقتراض السلطة من البنوك المحلية إلى 9.7 مليارات شيكل في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بزيادة 10% خلال عام و46% منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2021.
وتكشف هذه الأرقام عن اعتماد متزايد على المصارف المحلية لتمويل العجز وسد الفجوة بين الإيرادات والنفقات، في وقت أصبحت فيه قدرة السلطة على تحصيل الإيرادات أو الحصول على أموال المقاصة محدودة للغاية.
وتشكل أموال المقاصة نحو 68% من الإيرادات العامة للسلطة، وفق “ماس”، ما يجعل أي توقف طويل في تحويلها ضربة مباشرة للخزينة.
وخلال الأشهر الأحد عشر الأولى من 2025، بلغت إيرادات المقاصة المستحقة نحو 9.5 مليارات شيكل، لكن ما وصل فعلياً إلى السلطة كان نحو 5.9 مليارات فقط، بينما جرى خصم نحو 3.9 مليارات تحت بند “الإقراض الصافي”، الذي يشمل مبالغ مرتبطة بديون الكهرباء والمياه وخدمات أخرى.
وأدى احتجاز المقاصة إلى أزمة سيولة خانقة، لكن البيانات تظهر في الوقت نفسه أن المشكلة أقدم من موجة الاحتجاز الحالية.
فقد أوضحت دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن السلطة كانت تعاني عجزاً هيكلياً قبل حرب الإبادة على غزة، إذ تجاوز الإنفاق الإيرادات الذاتية في معظم السنوات منذ 2018. وبعد الحرب اتسعت الفجوة، وبلغ العجز، من دون احتساب المساعدات الخارجية، نحو 20% من الموازنة في 2024 ونحو 14% في 2025.
وتشير الدراسة إلى أن السلطة لجأت إلى آلية أخرى للبقاء، تمثلت في تأجيل دفع الالتزامات وترحيل الأزمة إلى الموظفين والموردين والبنوك.
ففي عامي 2024 و2025، لم تدفع السلطة سوى نحو 70% من رواتب موظفي القطاع العام المستحقة، بينما تحول الجزء غير المدفوع إلى التزامات مستقبلية. وبحسب الدراسة، رفعت هذه الآلية التزامات السلطة تجاه الموظفين والبنوك بأكثر من 6 مليارات شيكل سنوياً منذ اندلاع الحرب.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
لم تختفِ المساعدات الخارجية المقدمة إلى سلطة رام الله، بل ارتفعت بصورة كبيرة. فقد زادت المساعدات الخارجية إلى نحو 3 مليارات شيكل في 2024 ونحو 3.2 مليارات في 2025، بعد أن كانت في حدود مليار شيكل تقريباً عام 2021.
وبرز الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي بين أهم مصادر الدعم الذي ساعد السلطة على الاستمرار، مع ارتفاع الدعم الأوروبي من نحو 327 مليون شيكل في 2023 إلى أكثر من 1.5 مليار شيكل في 2025.
وأقرت الحكومة الفلسطينية في مارس/آذار 2026 موازنة طوارئ بإيرادات متوقعة تبلغ 15.7 مليار شيكل ونفقات تصل إلى 17.6 ملياراً، مع تحذير رسمي من أن استمرار احتجاز “إسرائيل” لأموال المقاصة قد يرفع العجز إلى نحو 70% من الموازنة.
كما أعلنت السلطة خفض الإنفاق، وتقليص فاتورة الأجور، وتطبيق سياسة “صفر توظيف”، والعمل على خفض التزاماتها تجاه البلديات وشركات الكهرباء والمياه.
وتبرز المفارقة لدى سلطة رام الله أنه كلما احتُجزت أموال المقاصة تراكمت الفاتورة، وكلما توسعت المساعدات والقروض والمتأخرات استمر النظام المالي في العمل من دون معالجة جذرية للفجوة بين الإيرادات والنفقات.
وهنا يعود السؤال: إذا كانت مليارات الشواكل دخلت خزينة السلطة على مدى سنوات، ثم بقيت عشرات المليارات من الالتزامات والديون، فأين ذهبت الأموال، ولماذا بقيت الفاتورة على الموظفين والموردين والمواطنين من دون أي مساس بالوزراء وكبار الموظفين أصحاب النفوذ والرتب العليا؟.




