وقف مخصصات السلطة يحول أبطال السجون إلى مشردين في المنافي
أسرى فتح المحررون ينامون على الأرصفة

حول وقف المخصصات المالية التي تصرفها السلطة الفلسطينية إلى الأسرى أبطال السجون إلى مشردين في المنافي في وقت بات أسرى حركة “فتح” المحررون ينامون على الأرصفة وتتقطع بهم السبل في مشهد غير مسبوق في التاريخ الفلسطيني الحديث.
وكشفت صورة الأسير الفلسطيني المحرر نديم عواد، وهو ينام على أحد أرصفة العاصمة المصرية القاهرة، عن أزمة إنسانية متفاقمة يعيشها عشرات الأسرى المحررين المبعدين إلى الخارج، وسط تعمد السلطة بالتخلي عنهم بعد وقف انتظام صرف مخصصاتهم المالية.
وأعادت الصورة تسليط الضوء على تداعيات مرسوم محمود عباس الصادر في العاشر من فبراير/شباط 2025، والذي أنهى نظام مخصصات الأسرى والشهداء ونقل برنامج المساعدات إلى “المؤسسة الوطنية للتمكين”، في خطوة يقول محررون إنها تركتهم بلا مصدر دخل ثابت بعد سنوات طويلة قضوها داخل السجون الإسرائيلية.
الحرية تتحول لمعاناة في المنفى
يعد نديم عواد، المنحدر من بلدة سالم شرق نابلس، واحداً من الأسرى الذين دفعوا ثمن هذه الأزمة. فقد اعتقلته سلطات الاحتلال في ديسمبر/كانون الأول 2005 بعد سنوات من المطاردة، وحكم عليه بالسجن المؤبد و30 عاماً، قبل أن يفرج عنه ضمن صفقة “طوفان الأحرار” في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد عشرين عاماً من الاعتقال.
لكن رحلة الحرية تحولت سريعاً إلى معاناة جديدة في المنفى. وقال عواد إن أصعب لحظات حياته لم تكن خلال سنوات المطاردة أو الاعتقال، بل عندما وجد نفسه مضطراً للنوم في الشارع بعد الإفراج عنه.
وأضاف: “نمت خلال مطاردتي في الشوارع، لكنها كانت نومة عز، أما نومة الإبعاد في الشوارع فهي نومة ذل تتحمل مسؤوليتها القيادة الفلسطينية”.
وأكد أنه عاش بين المشردين في شوارع مصر ونام على الأرصفة وتحت الجسور بعدما عجز عن دفع إيجار السكن بسبب توقف راتبه، قائلاً إن انتظام صرف مخصصاته كان سيمنع وصوله إلى هذا المشهد.
وأوضح عواد أنه أقام عقب الإفراج عنه في أحد الفنادق المصرية مع أسرى محررين آخرين، قبل انتقاله إلى شقة في محافظة الجيزة، لكنه تلقى دفعتين فقط من بدل الإيجار بقيمة 500 دولار لكل دفعة، ثم توقفت المساعدات، ما دفعه إلى مغادرة السكن والبقاء في الشارع لنحو أسبوعين.
وأضاف أنه نام أياماً وهو جائع أو معتمداً على القليل من الطعام الذي يحصل عليه، مؤكداً أنه رفض عروضاً من مصريين لاستضافته لأنه “ليس متسولاً”، معتبراً أن السلطة الفلسطينية مطالبة بمنحه حقه وليس تركه يعتمد على المساعدات الشخصية.
غياب الرعاية الرسمية وعدم انتظام الرواتب
أبرزت صحيفة العربي الجديد أن الأزمة تتجاوز حالة عواد الفردية، إذ يقول أسرى محررون إن مئات المبعدين يعانون ظروفاً مشابهة بسبب غياب الرعاية الرسمية وعدم انتظام الرواتب.
واتهم عواد قيادات السلطة وحركة فتح بالتخلي عن الأسرى الذين ينتمي كثير منهم للحركة نفسها، قائلاً إنهم باتوا يعاملون وكأنهم “عبء”، رغم أنهم كانوا من المقاتلين الأوائل خلال الانتفاضة.
وأضاف أن أكثر من 240 محرراً من حركة فتح يواجهون أوضاعاً صعبة، بينما تتكفل فصائل أخرى، بينها حماس والجهاد الإسلامي، بتوفير السكن والمخصصات لمحرريها المبعدين.
من جانبه، كشف الأسير المحرر منتصر أبو غليون، من مخيم جنين، جانباً آخر من الأزمة بعد الإفراج عنه وإبعاده عقب 21 عاماً داخل السجون الإسرائيلية.
وقال أبو غليون، الذي كان محكوماً بخمسة مؤبدات و50 عاماً إضافية، إن الأسرى خرجوا وهم يتوقعون حياة أكثر استقراراً، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام غياب التأمين الصحي وصعوبة العلاج.
وأوضح أنه يعاني آثار إصابات قديمة، بينها فقدان البصر في إحدى عينيه وإصابات أخرى نتيجة سنوات الاعتقال، لكنه اضطر إلى وقف العلاج بسبب انقطاع الراتب وعدم توفر رعاية مناسبة.
وأشار إلى أنه تلقى خلال 16 شهراً ست دفعات مالية فقط، لم تكن منتظمة ولا تكفي لتغطية احتياجاته، محملاً السلطة الفلسطينية وقيادة فتح مسؤولية الإهمال.
وقال: “عندما تحررنا لم يزرنا أحد إلا بعد شهرين. تلقينا وعوداً كثيرة لكن معظمها لم ينفذ”.
ويضع الأسرى المحررون ملف الرواتب على رأس مطالبهم، إلى جانب توفير تأمين صحي ومساكن دائمة بدلاً من الاعتماد على الإيجارات المؤقتة التي تتأخر مخصصاتها.
وقال الأسير المحرر محمد أبو ربيعة إن المبعدين يواجهون أزمات متراكمة تشمل غياب الدخل، وعدم وجود إقامات قانونية مستقرة، وصعوبة الحصول على وثائق سفر.
ويؤكد الأسرى أن الأزمة ضربت بشكل خاص محررين أمضوا عقوداً داخل السجون وكانوا يعتمدون على مخصصاتهم الشهرية لإعالة عائلاتهم، قبل أن تتوقف الآلية السابقة عقب قرار عباس.
في المقابل، يقول رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين رائد أبو الحمص إن لجنة خاصة شكلها الرئيس محمود عباس، تضم مسؤولين كباراً، تعمل على معالجة ملف الرواتب ووضع آلية جديدة تشمل المحررين المبعدين.
وأكد أبو الحمص أن الهيئة ترفض المساس بحقوق الأسرى وتعمل على إيجاد حلول تحفظ مستحقاتهم، مع الأخذ في الاعتبار الأزمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية.
لكن الأسرى المبعدين يؤكدون أن الوقت لم يعد يسمح بمزيد من الوعود، معتبرين أن ترك من قضوا عشرات السنوات في السجون يواجهون التشرد والمرض في المنافي يمثل “تخلياً غير مسبوق” عن واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع الفلسطيني.





