سلطة رام الله بين أزمة الشرعية وفشل الإدارة وتآكل الرهان السياسي

يتجدد الهجوم الشعبي على سلطة رام الله مع كل أزمة تشهدها الضفة الغربية المحتلة، بعد أن أخفقت في تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها سواء على مستوى العملية السياسية، أو حماية الفلسطينيين من العمليات العسكرية الإسرائيلية، أو إدارة الشؤون اليومية للمواطنين الذين يواجهون أوضاعًا اقتصادية ومعيشية متدهورة.
ويأتي تصاعد الغضب الشعبي في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدن ومخيمات الضفة الغربية، وتتسع دائرة الاعتقالات والاقتحامات اليومية، بينما تتفاقم الأزمات المالية للسلطة، وتتراجع قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، الأمر الذي ينعكس على حياة مئات آلاف الموظفين والمواطنين.
ومنذ تأسيسها بموجب اتفاق أوسلو عام 1994، بنت السلطة مشروعها السياسي على خيار المفاوضات والتسوية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي باعتباره الطريق لإقامة الدولة الفلسطينية.
إلا أن هذا المسار يواجه اليوم فشلا شاملا بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود دون تحقيق الدولة المنشودة، في مقابل استمرار الاستيطان، واتساع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وتراجع فرص الحل السياسي.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
واصلت سلطة رام الله التمسك بخيار التفاوض رغم تآكل مقوماته، في الوقت الذي فرضت فيه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وقائع جديدة على الأرض، شملت توسيع المستوطنات، وتشديد القيود على الفلسطينيين، وتكثيف العمليات العسكرية في الضفة الغربية.
في الوقت ذاته امتنعت السلطة عن توفير الحد الأدنى من الحماية للفلسطينيين في المناطق الخاضعة لولايتها الإدارية، في ظل استمرار الاقتحامات الإسرائيلية للمخيمات والمدن، وعمليات الاعتقال والاغتيال، وتكرار هجمات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية.
ووجدت السلطة نفسها عاجزة عن منع هذه العمليات أو الحد من آثارها، الأمر الذي أضعف أكثر صورتها أمام الشارع الفلسطيني وأثار تساؤلات بشأن قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية وما هي فائدتها كيان يتلقى المليارات من المانحين دون أي يقوم بأبسط مهامه.
ففي الجانب الداخلي، تتعرض السلطة لانتقادات شديدة بسبب تراجع مستوى الخدمات العامة، مع استمرار الأزمة المالية الناتجة عن اقتطاعات الاحتلال الإسرائيلي من أموال المقاصة، وتراجع المساعدات الخارجية، وارتفاع الدين العام فضلا عن تفشي الفساد فيها.
وأدت هذه الأزمة إلى تأخر صرف رواتب الموظفين العموميين منذ سنوات، وتقليص الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، في وقت تشهد فيه الضفة الغربية ارتفاعًا في معدلات البطالة والفقر وتراجعًا في النشاط الاقتصادي.
فساد السلطة الفلسطينية
لا تكمن أزمة سلطة رام الله بجوهرها بنقص الموارد المالية، بل إنها تعكس أزمة أعمق في أسلوب الإدارة وآليات اتخاذ القرار، في ظل تجاهل قيادة السلطة للمطالبات بإجراء إصلاحات سياسية وإدارية تعيد بناء الثقة بين السلطة والمجتمع.
وتركز السلطة أولوياتها على ضبط الأوضاع الداخلية ومنع الاحتجاجات، بدلاً من معالجة الأسباب التي تدفع المواطنين إلى الاحتقان، بحيث أن التعامل مع الغضب الشعبي يتم بوصفه تحديًا أمنيًا لا يوفر حلولًا للأزمات المتراكمة.
والنجاح الوحيد الذي يسجل للسلطة يكمن في بناء منظومة أمنية قادرة على احتواء الاحتجاجات وملاحقة المعارضين، لكنها لم تحقق نجاحًا مماثلًا في معالجة الملفات الاقتصادية أو السياسية، وهو ما أدى إلى اتساع فجوة الثقة بينها وبين قطاعات من الشارع الفلسطيني.
وتنعكس هذه الفجوة في تصاعد الانتقادات الموجهة إلى أداء المؤسسات الرسمية، مع اتهامات بأن الأولوية باتت للحفاظ على الاستقرار الإداري والأمني، أكثر من السعي لإحداث تغييرات سياسية أو اقتصادية تعالج جذور الأزمة.
وعليه تواجه السلطة اليوم اختبارًا وجوديًا، إذ لم يعد تقييم أدائها مرتبطًا فقط بنتائج العملية السياسية، بل بقدرتها أيضًا على إدارة حياة المواطنين في ظل واقع معقد يتسم بالاحتلال، والأزمة الاقتصادية، والانقسام السياسي، وتراجع الدعم الدولي.
واستمرار الأزمات دون معالجات جوهرية يهدد بتآكل ما تبقى من ثقة شعبية، خصوصًا في ظل شعور متزايد لدى قطاعات من الفلسطينيين بأن السلطة لم تعد قادرة على تحقيق تطلعاتهم الوطنية أو تحسين ظروفهم المعيشية وهو ما تظهره بوضوح نتائج الاستطلاعات المحلية والعربية.
إذ بحسب استطلاع الباروميتر العربي في فلسطين، فإن 77٪ من سكان الضفة الغربية لا يثقون برئيس سلطة رام الله محمود عباس، بينما 71٪ لا يثقون بالحكومة. ويعتقد 87٪ من المستطلعين بوجود فساد في مؤسسات السلطة، فيما قال 69٪ إن الحكومة لا تعمل على مكافحة الفساد أو تفعل ذلك بدرجة ضئيلة.




