استقبال أمام الكاميرات وترحيل خلف الأبواب.. غضب من تعامل الأردن مع مرضى غزة

أثار ملف تعامل السلطات الأردنية مع مرضى وجرحى غزة موجة انتقادات واسعة، وفضح مجددا الفجوة الكبيرة بين الخطاب الرسمي الأردني بشأن دعم الفلسطينيين وبين الممارسات العملية تجاه مصابين وصلوا إلى المملكة بحثاً عن العلاج بعد انهيار المنظومة الصحية في القطاع.
وتصاعد الجدل بعد شهادات تحدثت عن ضغوط يتعرض لها جرحى غزة الذين تم إجلاؤهم للعلاج في الأردن، بالتزامن مع مطالبات حقوقية وإنسانية بضرورة ضمان استكمال علاجهم وعدم إعادتهم إلى القطاع في ظل استمرار الأزمة الصحية والإنسانية.
وأعاد الطبيب محمد طاهر، وهو جرّاح عظام وأعصاب طرفية عمل ضمن فرق طبية إنسانية في غزة، تسليط الضوء على القضية بعد نشره انتقادات حادة بشأن أوضاع بعض الجرحى الذين خرجوا من القطاع عبر منظمات إنسانية.
وقال طاهر في منشور عبر حسابه على منصة “إكس” إن هناك جرحى من غزة تم إجلاؤهم إلى الأردن عبر منظمات، لكنهم باتوا أمام خيارات وصفها بالقاسية، مضيفاً: “يُقال لهم اليوم: إما أن تقبلوا بخطة الأطباء، وهي في كثير من الحالات محاولة فاضحة للتعجيل بإعادتهم إلى غزة دون استكمال علاجهم، وإما أن تُبتر أطرافكم”.
واعتبر طاهر أن ما يحدث يمثل “جريمة أخلاقية”، مطالباً باستخدام الأموال التي تم جمعها باسم غزة من أجل توفير العلاج اللازم للجرحى.
وتابع “أنفقوا الملايين من الدولارات التي جمعتموها باسم غزة، وامنحوا هؤلاء الجرحى العلاج الذي يستحقونه. لا ينبغي أن يُجبر أي مريض على البتر لأن منظمة ما ترفض تمويل العلاج اللازم لإنقاذ طرفه”.
وختم موقفه بالقول: “هذا ليس عملاً إنسانياً، بل خيانة للأمانة والثقة”.
مواقف الأردن تجاه حرب إبادة غزة
أثارت هذه التصريحات موجة جديدة من الانتقادات تجاه طريقة إدارة ملف الجرحى الفلسطينيين، خصوصاً أن الأردن قدم نفسه إعلاميا منذ بداية حرب الإبادة على غزة كأحد أبرز الداعمين الإنسانيين للقطاع من خلال إرسال مساعدات واستقبال حالات علاجية.
لكن الواقع فضح أن الصورة المعلنة لا تتطابق مع واقع المرضى الذين واجهوا إجراءات قاسية بعد وصولهم إلى عمان وتعرضوا إلى إذلال وخذلان من السلطات الأردنية.
وفي منتصف الشهر الجاري، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو أثار غضباً واسعاً، أظهر احتجاز مسافرين فلسطينيين من قطاع غزة داخل مستشفى في الأردن وإغلاق الأبواب عليهم بالجنازير، تمهيداً لنقلهم إلى وجهة أخرى.
وكان هؤلاء دخلوا الأردن عبر تنسيقات وموافقات مسبقة بهدف تلقي العلاج، قبل أن يثير أسلوب التعامل معهم موجة انتقادات بين ناشطين اعتبروا أن المشهد يعكس إهانة لمرضى وجرحى خرجوا من واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية.
وأكد ناشطون أن التعامل مع المرضى باعتبارهم عبئاً أمنياً أو إدارياً يتناقض مع الخطاب الأردني الرسمي الذي يؤكد الوقوف إلى جانب غزة ودعم سكانها في مواجهة الحرب والحصار.
وفي حادثة أخرى، أثار إبلاغ عدد من مرضى غزة بضرورة العودة إلى القطاع قلقاً واسعاً بين عائلات فلسطينية، خصوصاً أن بعضهم لم يستكمل مراحل العلاج بعد.
وجاء ذلك في وقت تعاني فيه غزة من انهيار كبير في القطاع الصحي، مع نقص المستشفيات العاملة والأدوية والمعدات الطبية وانتشار الأمراض نتيجة ظروف النزوح والحصار.
وقالت عائلات جرحى ومرضى إن العودة إلى غزة في هذه الظروف تعني تعريض حياة المرضى للخطر، خصوصاً أصحاب الإصابات المعقدة والأمراض المزمنة والأطفال الذين يحتاجون إلى متابعة طبية مستمرة.
كما أشارت بعض العائلات إلى أن عمليات عودة سابقة واجهت صعوبات إضافية، بينها مصادرة أدوية ومستلزمات أساسية عند معبر كرم أبو سالم، ما ضاعف المخاوف بشأن مصير المرضى بعد إعادتهم.
ويعكس ملف الجرحى جانباً من تناقض أوسع في التعامل مع غزة، حيث تُرفع شعارات الدعم والمساندة في الخطاب السياسي والإعلامي، بينما تبقى الإجراءات العملية محدودة أو مرتبطة بحسابات أمنية وسياسية.
ويفضح ذلك أن الأردن جزء من منظومة القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين من غزة، عبر إجراءات العبور المشددة والتنسيقات المعقدة، وهو ما ساهم في زيادة معاناة السكان بدل تخفيفها.
وتضع الأزمة الحالية الأردن أمام اختبار حقيقي بين استمرار الخطاب الداعم لغزة وبين تقديم نموذج عملي يحفظ كرامة الجرحى والمرضى، خصوصاً أن التعامل مع المصابين لا يُقاس بعدد الحالات التي يتم استقبالها فقط، بل بمدى ضمان حقهم في العلاج الكامل وعدم إعادتهم إلى بيئة صحية منهارة.






