أزمة جسر الملك حسين تتفاقم: تواطؤ أردني وغياب أي تحرك من سلطة رام الله

تتواصل أزمة السفر عبر جسر الملك حسين (معبر الكرامة) المنفذ البري الوحيد الذي يربط الفلسطينيين في الضفة الغربية بالعالم الخارجي عبر الأردن، مع تصاعد شكاوى المسافرين من الاكتظاظ الشديد وطول فترات الانتظار وتعطل حركة السفر خلال موسم الصيف.
ويأتي تفاقم الأزمة التي تمس بشكل مباشر حياة كل سكان الضفة الغربية في ظل استمرار القيود الإسرائيلية، وغياب إجراءات أردنية فعالة لتحسين آلية العبور، وعدم تسجيل أي تدخل حاسم من جانب السلطة الفلسطينية لمعالجة الأزمة المتفاقمة.
ويؤكد مسافرون أن الرحلات عبر الجسر تحولت إلى رحلة معاناة تستمر في كثير من الأحيان لأيام، فيما يجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم مضطرين إلى الانتظار لأسابيع للحصول على موعد سفر، نتيجة محدودية الطاقة الاستيعابية وساعات العمل المقيدة، الأمر الذي يفاقم الأعباء الإنسانية والاقتصادية على العائلات الفلسطينية.
أزمة معبر الكرامة
تبدأ الأزمة من السلطات الإسرائيلي، حيث يواصل الاحتلال فرض ساعات تشغيل محدودة على الجسر، إذ يغلق المعبر أيام السبت بالكامل، كما تتوقف الحركة لساعات خلال يوم الجمعة، بينما تظل بقية أيام الأسبوع خاضعة لبرنامج تشغيل محدود لا يتناسب مع حجم الحركة اليومية للمسافرين.
ويؤدي هذا الواقع إلى تكدس آلاف المسافرين يومياً، في وقت تتحكم فيه السلطات الإسرائيلية بعدد الحافلات والأشخاص المسموح لهم بالعبور، ما يجعل القدرة التشغيلية للجسر مرهونة بالكامل بالقرارات الإسرائيلية، رغم أنه المنفذ الرئيسي للفلسطينيين في الضفة الغربية.
وتكمن المفارقة في أن معابر إسرائيلية أخرى، يستخدمها الإسرائيليون بشكل رئيسي، تعمل لساعات أطول أو على مدار الساعة، في حين يبقى جسر الملك حسين، الذي يشهد أكبر كثافة للمسافرين، الأقل من حيث ساعات التشغيل والأكثر تعرضاً للإغلاق، وهو ما يعمق حالة الاختناق خلال مواسم السفر والعطلات.
ورغم أن الاحتلال يتحمل المسؤولية الأساسية عن القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، فإن أصابع الاتهام تتجه كذلك نحو الجانب الأردني بسبب عدم اتخاذ إجراءات ملموسة لتحسين إدارة حركة العبور داخل أراضيه.
فقد اعتمدت السلطات الأردنية نظاماً إلكترونياً لحجز تذاكر السفر عبر شركة خاصة تحتكر نقل الركاب، إلا أن الضغط الكبير على الخدمة جعل المواعيد محجوزة لأسابيع، الأمر الذي حرم آلاف الفلسطينيين من السفر في المواعيد التي يحتاجونها، خاصة المرضى والطلبة وأصحاب الأعمال.
شكاوي المسافرين عبر معبر الكرامة
كما تتكرر شكاوى المسافرين من سوء التنظيم داخل مرافق الجسر، وبطء الإجراءات، وطول الانتظار للحصول على الأمتعة، إضافة إلى اتهامات بوجود وسطاء يستغلون حاجة المسافرين مقابل مبالغ مالية مرتفعة لتسريع الإجراءات أو تسهيل الحصول على الحقائب، وهو ما أثار انتقادات واسعة بشأن غياب الرقابة والإدارة الفاعلة.
وتحدث مسافرون عن تعرضهم لمعاملة غير لائقة، إلى جانب انتشار ما وصفوه بالفوضى في تنظيم الطوابير، وغياب معايير واضحة لتحديد الأولويات، الأمر الذي يفتح الباب أمام ممارسات تمييزية واستغلال مالي يزيد من معاناة الفلسطينيين.
وكان وزير الداخلية الأردني مازن الفراية قد وصف، خلال زيارة أجراها إلى الجسر، الواقع الخدمي بأنه “سيئ للغاية”، في اعتراف رسمي بوجود اختلالات كبيرة في إدارة المعبر، إلا أن هذا التقييم لم يتبعه حتى الآن إعلان عن خطة إصلاح شاملة أو إجراءات عملية تعالج جذور الأزمة.
ويرى مراقبون أن استمرار الأوضاع الحالية يعكس غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الأردني للضغط من أجل تحسين ظروف تشغيل الجسر أو إعادة تنظيم الخدمات المقدمة للمسافرين، رغم أن الأردن يمتلك هامشاً لتحسين الإدارة والخدمات اللوجستية داخل الجزء الواقع تحت مسؤوليته، بما يخفف من معاناة الفلسطينيين.
السلطة الفلسطينية الحاضر الغائب
يبرز غياب السلطة الفلسطينية كأحد أبرز ملامح الأزمة، إذ لم تظهر أي تحركات سياسية أو دبلوماسية فعالة للضغط من أجل تمديد ساعات تشغيل الجسر أو معالجة الاختناقات المزمنة التي تتكرر سنوياً، رغم أن المعبر يمثل الشريان الوحيد لسكان الضفة الغربية نحو العالم الخارجي.
كما لم تعلن السلطة الفلسطينية عن مبادرات عملية لمعالجة شكاوى المواطنين أو تشكيل لجان مشتركة مع الأردن لمتابعة الأزمة، في وقت يطالب فيه الفلسطينيون بدور أكثر فاعلية في الدفاع عن حقهم في حرية الحركة والتنقل.
ويؤكد مختصون أن الأزمة تجاوزت كونها مشكلة تشغيلية أو موسمية، لتتحول إلى ملف سياسي وإنساني يحتاج إلى تدخل مباشر من مختلف الأطراف المعنية، خصوصاً أن استمرار الوضع الحالي ينعكس على المرضى والطلبة والتجار والعائلات، ويؤثر في مختلف جوانب الحياة اليومية للفلسطينيين.
كما يشير هؤلاء إلى أن تراجع مستوى التنسيق السياسي بين الأردن وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة أدى إلى غياب الضغوط التي كانت تمارس سابقاً لتمديد ساعات العمل أو حل الأزمات الطارئة، وهو ما سمح باستمرار القيود الحالية دون تغيير.
ويؤكد المختصون أن أي تحسين حقيقي للأوضاع يتطلب أولاً الضغط لزيادة ساعات تشغيل الجسر ورفع القيود المفروضة على حركة المسافرين، بالتوازي مع إصلاح الإدارة والخدمات على الجانب الأردني، وإنهاء مظاهر الاحتكار وسوء التنظيم التي يشكو منها المسافرون بصورة متكررة.
ومع دخول موسم الصيف وارتفاع أعداد المسافرين، تتزايد الدعوات إلى تحرك فلسطيني رسمي أكثر جدية، وإلى تعاون أردني يضع حداً للاختلالات الإدارية، بالتوازي مع ممارسة ضغوط دولية على إسرائيل لإنهاء القيود المفروضة على الجسر، بما يضمن حق الفلسطينيين في التنقل بكرامة بعيداً عن مشاهد الانتظار الطويل والإجراءات المعقدة التي أصبحت جزءاً من رحلتهم اليومية.





