تحليلات واراء

سياسة الباب الدوار بين سلطة رام الله والاحتلال.. عائلة اشتية في نابلس نموذجاً

يتوزع ثمانية شبان من عائلة اشتية في نابلس، شمال الضفة الغربية، بين سجون الاحتلال الإسرائيلي وسجون سلطة رام الله، لتقدّم العائلة نموذجًا فاضحًا لسياسة «الباب الدوار» والملاحقة المزدوجة التي تمارسها أجهزة أمن السلطة والاحتلال، في إطار نهج التنسيق الأمني الذي وصفه رئيس السلطة محمود عباس بـ«المقدس».

ولم يكن فجر الرابع والعشرين من يوليو/تموز الماضي يوماً عادياً في منزل عاكف اشتية، البالغ من العمر 60 عاماً، في بلدة سالم شرق نابلس.

فقبل ساعات فقط كانت العائلة قد أنهت استعداداتها لزفاف نجله أنس، وأقامت ليلة الحناء ومراسم العشاء، قبل أن تتحول أجواء الفرح إلى صدمة مع اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي المنزل واعتقال العريس قبيل موعد زفافه.

انطفأت أجواء الاحتفال، وغاب العريس عن المناسبة التي انتظرها سنوات، لتجد عائلة اشتية نفسها أمام حلقة جديدة من مسلسل طويل من الاعتقالات والملاحقات، لا يقتصر هذه المرة على سجون الاحتلال، بل يمتد إلى سجون الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة رام الله.

الأبناء الأربعة في سجون الاحتلال والسلطة

يقول عاكف اشتية إن اعتقال نجله جاء في سياق ملاحقة مستمرة تعرض لها أبناء الأسرة على مدار سنوات.

وكان أنس قد أمضى سابقاً نحو خمس سنوات في سجون الاحتلال، قبل أن تعود القوات الإسرائيلية لاعتقاله في اليوم الذي كان يفترض أن يبدأ فيه حياة جديدة.

وبحسب رواية الأب، بدأت المؤشرات قبل يومين من الزفاف، عندما اقتحم ضابط في مخابرات الاحتلال منزل العائلة وطلب لقاء أنس، ما أثار مخاوف الأسرة من اعتقاله. لكن الضابط نفى، حينها، وجود نية لاعتقاله، قبل أن تتحول تلك المخاوف إلى واقع مع اقتحام المنزل قبيل الفجر واقتياد العريس إلى جهة مجهولة.

ولم تمض أيام قليلة حتى اعتقلت قوات الاحتلال شقيقه صهيب، ليجد الأب نفسه أمام واقع غير مسبوق، إذ أصبح أبناؤه الأربعة جميعاً بين سجون الاحتلال وسجون السلطة الفلسطينية.

وتكشف قضية مصعب اشتية، أحد أبناء العائلة، جانباً آخر من واقع سياسة “الباب الدوار” بين الاعتقال لدى الاحتلال والاحتجاز لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

فمصعب أمضى نحو أربع سنوات في سجون الاحتلال، قبل أن تعتقله الأجهزة الأمنية الفلسطينية، حيث يقترب الآن من إكمال عامه الرابع في الاحتجاز.

ويقول والده إن ضابط المخابرات الإسرائيلي الذي اقتحم المنزل طلب منه تسليم مصعب، رغم معرفته بأنه محتجز لدى الأجهزة الأمنية منذ سنوات.

ويصنف الاحتلال مصعب ضمن قيادات مجموعة “عرين الأسود” التي برزت في نابلس عام 2022، فيما أثار اعتقاله من قبل الأجهزة الفلسطينية آنذاك حالة غضب واحتجاجات واسعة في المدينة.

الاعتقالات السياسية في الضفة الغربية

رغم غياب أنس، قررت العائلة عدم إلغاء الزفاف بصورة كاملة، وأبقت على بعض مراسم المناسبة في موعدها، مع تقليص مظاهر الاحتفال، في محاولة لمواجهة واقع فرضه الاعتقال مجدداً على الأسرة.

ولا تتوقف قائمة المعتقلين عند أنس ومصعب. فشقيقهما خالد أمضى نحو أربع سنوات في سجون الاحتلال، وهو معتقل إدارياً منذ أشهر، فيما يخوض صهيب تجربة الاعتقال الإداري للمرة الثانية بعد أن سبق له قضاء سنوات خلف القضبان.

وبذلك، يعيش عاكف اشتية واقعاً استثنائياً، إذ إن أبناءه الأربعة يقبعون حالياً في السجون، بينما تختلف الجهات التي تحتجزهم بين الاحتلال الإسرائيلي وسلطة رام الله، في مشهد يعكس حجم الملاحقة التي تواجهها الأسرة منذ سنوات.

وامتدت آثار الاعتقال إلى المسار التعليمي للأبناء. فقد اعتُقل صهيب خلال مرحلة الثانوية العامة وحُرم من التقدم للامتحانات، كما لم يتمكن خالد من تقديم امتحانات الثانوية بصورة طبيعية، وإن تمكن لاحقاً من أدائها من داخل السجن، فيما حالت سنوات الاعتقال دون أن يتمكن أنس من استكمال دراسته الجامعية.

لكن دائرة الاعتقال داخل العائلة أوسع من أبناء عاكف. إذ تضم قائمة المعتقلين أيضاً أبناء عمومتهم عبد الصمد جمال جميل عوض الله، المعتقل إدارياً منذ نحو عامين ونصف، وأيوب يحيى جميل عوض الله، البالغ من العمر 17 عاماً والمعتقل إدارياً منذ قرابة عامين، إضافة إلى أسامة وجميل عوض الله اللذين اعتقلا خلال الفترة الأخيرة.

وبحسب العائلة، فإن ما لا يقل عن ثمانية من أبنائها يقبعون حالياً في سجون الاحتلال وسجون السلطة، في امتداد لتاريخ طويل من الملاحقات التي طاولت أجيالاً متعاقبة منها.

ويقول أمين اشتية، عم المعتقلين الثمانية، إن ما يعيشه أبناء العائلة اليوم ليس التجربة الأولى، مشيراً إلى أن ثلاثة أجيال عانت من الاعتقال والمطاردة.

ويضيف أن والدهم، الجد، تعرض للاعتقال في سبعينيات القرن الماضي وبداية الانتفاضة الأولى عام 1987، قبل أن يتعرض الأب وأعمام المعتقلين لاحقاً للمطاردة والاعتقال لمرات عديدة.

ويرى أمين أن تكرار الاعتقال جعل السجن جزءاً قاسياً من تفاصيل حياة العائلة، لكنه ترك في الوقت نفسه آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، مع غياب عدد كبير من أبنائها خلف القضبان.

ويقول إن منازل العائلة أصبحت مثقلة بالفراغ، بينما تعيش الأسر في انتظار دائم للأخبار، خصوصاً عن المعتقلين حديثاً الذين لا تزال المعلومات حول أماكن احتجازهم وظروف التحقيق معهم محدودة.

وتحاول العائلة التعامل مع الاعتقال باعتباره واقعاً مفروضاً في ظل الاحتلال، إلا أن وجود أحد أبنائها في سجن الأجهزة الأمنية الفلسطينية منذ نحو أربع سنوات يضيف طبقة أخرى من المعاناة، ويعيد إلى الواجهة الانتقادات الموجهة إلى سياسة الاعتقال السياسي والتنسيق الأمني.

وبينما تنتهي رحلة بعض الفلسطينيين من سجون الاحتلال لتبدأ رحلة جديدة داخل سجون السلطة، تبدو قصة عائلة اشتية نموذجاً صارخاً لما يصفه منتقدون بسياسة “الباب الدوار”، حيث لا يعني الإفراج من سجن بالضرورة استعادة الحرية، فيما تستمر الملاحقة بين الاحتلال وسلطة يفترض أن تكون مؤسساتها جزءاً من حماية الفلسطينيين لا محطة إضافية في مسار اعتقالهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى