تخبط وفساد سلطة رام الله يرفعان كلفة خدمة الدين العام

تتصاعد الأعباء المالية التي تواجهها سلطة رام الله مع استمرار تراكم الديون وتأجيل سداد أقساطها، في وقت تكشف فيه البيانات المالية أن فاتورة الفوائد وحدها باتت تستنزف مئات الملايين من الشواكل، وسط انتقادات لسياسات الاقتراض وإدارة المال العام، واتهامات باستمرار الهدر والإنفاق غير الرشيد، بينما يتحمل الموظفون وأصحاب الدخل المحدود جانباً كبيراً من تداعيات الأزمة.
وقال الخبير الاقتصادي أيهم أبو غوش إن الرقم الذي تحدث عنه وزير المالية مؤخرا، والبالغ نحو 800 مليون شيكل كفوائد تدفعها الحكومة، لا يعني أن كامل هذا المبلغ يذهب إلى البنوك العاملة في فلسطين، موضحاً أن الحكومة تعتمد على مصادر اقتراض متعددة، تشمل جهات محلية وخارجية.
وأوضح أبو غوش أن مصادر الدين الحكومي تشمل مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي، إلى جانب صناديق عربية وإسلامية، فضلاً عن القروض التي حصلت عليها الحكومة من القطاع المصرفي الفلسطيني، ومن بينها قرض التجمع البنكي الذي تم التوصل إليه في نهاية عام 2023.
وبحسب بيانات وزارة المالية التي استند إليها أبو غوش، دفعت الحكومة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام فوائد بقيمة 19 مليون شيكل في يناير/كانون الثاني، و110 ملايين في فبراير/شباط، و62 مليوناً في مارس/آذار، و39 مليوناً في أبريل/نيسان، و40 مليوناً في مايو/أيار.
وأشار إلى أن شهر فبراير كان حالة استثنائية، نتيجة دفع فوائد مرتبطة بتأجيل أقساط قرض التجمع البنكي لمدة ستة أشهر، موضحاً أن متوسط الفوائد الشهرية، باستثناء هذا الشهر، يبلغ نحو 35 مليون شيكل.
الأزمة المالية الفلسطينية
قدّر أبو غوش أن حصة البنوك المحلية من إجمالي الفوائد قد تصل إلى نحو 430 مليون شيكل، لكنه شدد على أن الرقم يبقى تقديرياً، نظراً إلى تعدد مصادر الاقتراض وعدم إمكانية تصنيف كامل فاتورة الفوائد ضمن القروض المصرفية المحلية.
وتكشف هذه الأرقام حجم المأزق الذي وصلت إليه المالية العامة، إذ إن جزءاً من الأزمة لا يرتبط فقط بحجم الاقتراض، بل أيضاً باللجوء المتكرر إلى تأجيل سداد أصل القروض.
ولفت أبو غوش إلى أن الحكومة لا تسدد حالياً أصل عدد من القروض، بعد الاتفاق على ترحيل الأقساط إلى العام المقبل، وهو ما يعني عملياً استمرار احتساب الفوائد وتراكم كلفة خدمة الدين.
وقال إن ارتفاع فاتورة الفوائد جاء بصورة أساسية نتيجة زيادة حجم الاقتراض وتأجيل سداد عدد من الأقساط، مؤكداً أن مبلغ 800 مليون شيكل لا يمثل بالضرورة فاتورة ثابتة تتكرر بالقيمة نفسها كل عام، إذ تختلف كلفة الدين وفق حجم القروض وشروطها ومواعيد استحقاقها.
وأوضح أن أسعار الفائدة تختلف من قرض إلى آخر ومن جهة مقرضة إلى أخرى، لكنها تبلغ في المتوسط نحو 6% للقروض بالشيكل، وحوالي 5.5% للقروض بالدولار والدينار.
واعتبر أن مستويات الفائدة بحد ذاتها تقع ضمن النطاق الطبيعي للاقتراض الحكومي، لكن المشكلة تكمن في تراكم الديون وتأجيل سدادها، الأمر الذي يرفع تدريجياً كلفة خدمة الدين ويزيد الضغوط على الموازنة.
فساد سلطة رام الله وسوء إدارة المال العام
في موازاة ذلك، تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى طريقة إدارة الأزمة المالية، وسط توالي ملفات فضح فساد سلطة رام الله وسوء إدارة المال العام وغياب إجراءات الترشيد الفعلية التي فاقمت من حجم العجز، بينما يدفع الموظفون وأصحاب الدخل المحدود والمستحقون للدعم الاجتماعي الثمن الأكبر.
ففي وقت تتأخر فيه الرواتب والمستحقات وتتراجع القدرة على تمويل الخدمات العامة والبرامج الاجتماعية، لا تظهر إجراءات إصلاحية شاملة تستهدف إعادة ترتيب أولويات الإنفاق أو مراجعة الامتيازات والمخصصات التي يحصل عليها كبار المسؤولين والوزراء وكبار الموظفين.
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة إن الأزمة المالية الفلسطينية “مركبة”، وتتداخل فيها عوامل خارجية وداخلية، موضحاً أن الاحتلال الإسرائيلي يحتجز أو يقتطع أجزاء من أموال المقاصة، ويفرض قيوداً مستمرة على الاقتصاد الفلسطيني، فيما يشهد الدعم الخارجي والمنح تراجعاً ملحوظاً.
لكنه أكد أن هذه العوامل لا تعفي الإدارة الفلسطينية من مسؤوليتها عن معالجة الاختلالات الداخلية، مشيراً إلى غياب الترشيد الحقيقي، وعدم تنويع مصادر الإيرادات، واستمرار بنود إنفاق يمكن ضبطها أو إعادة النظر فيها.
وأوضح دراغمة أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على انتظار الإفراج عن أموال المقاصة أو مطالبة الدول المانحة بضخ مزيد من المساعدات، بل يجب أن تبدأ بمراجعة شاملة لأولويات الإنفاق داخل مؤسسات السلطة نفسها.
وبهذا الصدد دعا إلى وقف ما وصفه بـ”نزيف المال العام” عبر إجراءات عملية تشمل وقف الترقيات غير الضرورية، وضبط البدلات والمصاريف، ومراجعة ملف السيارات الحكومية والامتيازات الممنوحة لكبار المسؤولين، إلى جانب إعادة هيكلة المؤسسات الرسمية والحد من التوسع الإداري الذي يثقل كاهل الموازنة.
وشدد على أن أي سياسة تقشف جادة يجب ألا تتحول إلى أداة لتحميل الموظفين وأصحاب الرواتب المحدودة وحدهم كلفة الأزمة، في حين تبقى مستويات الإنفاق والامتيازات في المؤسسات العليا بعيدة عن المراجعة. وقال إن الترشيد الحقيقي ينبغي أن يبدأ من القيادة وكبار المسؤولين قبل أن يمتد إلى الفئات الأكثر هشاشة.
ويرى دراغمة أن وقف الهدر يجب ألا يبقى مجرد شعار، داعياً إلى خطة إصلاح مالي واضحة تتضمن شفافية أكبر في نشر بنود الإنفاق العام، ومراجعة العقود والمشتريات الحكومية، وتعزيز أدوات الرقابة والتدقيق، وربط الإنفاق الحكومي بأثره الفعلي على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وبينما تستمر سلطة رام الله في إدارة أزمة السيولة عبر الاقتراض وتأجيل الأقساط وتأخير المستحقات، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى استعدادها للانتقال من إدارة نتائج الأزمة إلى معالجة أسبابها.
فكل تأجيل لسداد الدين يعني فوائد إضافية، وكل توسع في الاقتراض يضيف عبئاً جديداً على موازنة تعاني أصلاً من العجز، فيما يبقى المواطن والموظف الحلقة الأضعف التي تتحمل في النهاية كلفة التخبط وسوء الإدارة والفساد.





