جسور نيوز تحول المأساة الإنسانية في غزة لأداة تحريض وتبييض الاحتلال

في الوقت الذي يعيش فيه سكان قطاع غزة واحدة من أقسى المآسي الإنسانية بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية التي دمّرت البنية التحتية وشردت مئات الآلاف وخلّفت دماراً غير مسبوق، تبرز منصات إعلامية عربية بدور مشبوه يستغل معاناتهم لتحقيق أهداف سياسية تتقاطع مع أجندات الاحتلال.
على رأس تلك المنصات الإعلامية منصة “جسور نيوز” المموّلة إماراتياً التي باتت من أكثر الجهات انخراطاً في محاولة ضرب الجبهة الداخلية الفلسطينية وتشويه صورة الجهات الحكومية والإدارية في غزة، عبر تقديم رواية تخدم خطاباً خارجياً لا علاقة له بالمعاناة الحقيقية للمواطنين.
وفي أحدث الأمثلة على ذلك، نشرت “جسور نيوز” مقطع فيديو تزعم فيه أنّه يوثّق شهادات “نازحين من غزة” يتحدثون عن التهميش وإنكار الحقوق من قبل الجهات المحلية المسؤولة، خصوصًا مع دخول فصل الشتاء.
في ظاهر الأمر يبدو الفيديو مادة صحفية، لكن تمعّنًا بسيطًا يكشف أنّه أقرب إلى مقاطع دعائية موجهة لصناعة سردية واحدة تقوم على إظهار غزة وكأنها مُهمَلة من أبنائها، وتصوير المؤسسات المحلية كأنها تتخلى عن شعبها، في المقابل تغييب كامل للاحتلال الذي دمّر كل شيء.
إذ أن الفيديو لم يشر ولو بكلمة واحدة إلى الأسباب الحقيقية للنزوح، ولا إلى القصف الإسرائيلي المستمر، ولا إلى الدمار الواسع للبنية التحتية، ولا إلى الحصار المفروض على كل شيء: الدواء، الوقود، الخيام، الغذاء، والماء.
بهذه الطريقة تصبح المعاناة مادة بلا سياق، منفصلة عن مسبباتها، وكأن الجهات المحلية في غزة هي التي فجّرت البيوت فوق رؤوس أصحابها أو قصفت المدارس والمستشفيات ودفعت الناس إلى النزوح.
جسور نيوز ويكيبيديا
من يدقق في محتوى جسور نيوز يلحظ أنها تعمل بانتظام على تحييد الاحتلال من المعادلة، وكأن غزة تعيش أزمتها لوحدها، دون حصار، ودون تدمير، ودون حرب وذلك في نمط يُعيد إنتاج خطاب قديم تستخدمه جهات تسعى لتبييض صورة الاحتلال باللغة العربية عبر التلاعب بالوقائع وتوجيه الغضب الشعبي نحو الضحية لا الجلاد.
ويبرز أن جسور نيوز تتعمد تجاهل ذكر الدور الإسرائيلي في منع دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وعرقلة إعادة الإعمار، ورفض إدخال الخيام والمواد الأساسية للنازحين.
كما تتجاهل حقيقة أن الشتاء في غزة يتحوّل إلى كارثة إنسانية لأن دولة الاحتلال تقصف مراكز الإيواء وتجفف مصادر الطاقة والوقود، فتُصبح حياة النازحين معلّقة بين البرد والجوع والخوف.
والفيديو — مثل معظم إنتاجات “جسور نيوز” — يقدّم نموذجًا واضحًا لمحاولة خلق هوّة بين المواطنين والمؤسسات المحلية، عبر إرفاق كل شكوى إنسانية باتهامات سياسية، وصياغة المشاهد بطريقة تؤدي إلى نتيجة واحدة: الجهات الحكومية في غزة عاجزة وفاشلة وتتنصل من مسؤولياتها.
ويتطابق ذلك مع مقاربات إعلامية تستهدف خلق شرخ داخلي فلسطيني، وزرع انطباع بأن غزة تعاني بسبب من يديرونها وليس بسبب الاحتلال بما يخدم الرواية الإسرائيلية لتحرير الاحتلال من المسؤولية وإلقاء العبء على الفلسطينيين أنفسهم.
في الوقت ذاته تكمن خطورة محتوى “جسور نيوز” في أنه لا يهاجم المقاومة مباشرة، ولا يدافع عن الاحتلال بشكل فج، بل يعتمد أسلوب “التصوير الإنساني” المبتور من سياقه.
فتقديم النازحين كضحايا “الإدارة المحلية” بدل الاحتلال يخلق رواية زائفة لكنها قابلة للانتشار لأنها تعتمد على صور وشهادات حقيقية لكن مُساء استخدامها ومُقتطعة بعناية.
وبذلك تتحول “الإنسانية” إلى أداة لتشويه سمعة الجهات الفلسطينية، وتتحول معاناة الناس إلى وسيلة لإعادة إنتاج خطاب يخدم السلطة الأكثر استفادة: سلطة الاحتلال التي تريد إقناع العالم بأن مشكلتها مع غزة ليست احتلالاً ولا قصفاً ولا حصاراً، بل “سوء إدارة محلي”!.






