السلطة الفلسطينية كوكيل أمني معتمد لدى الاحتلال وإعلامه

أعاد مقال للصحفي الإسرائيلي نير كيبنيس فتح ملف التنسيق الأمني بين الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية، بوصفه إرثًا من اتفاق أوسلو وحقيقة راسخة وناجحة من وجهة النظر الإسرائيلية، وكخيار لإدارة قطاع غزة في المرحلة المقبلة.
واعتبر مراقبون أن أهمية ما كتبه كيبنيس في كونه يعكس سردية متداولة وثابتة داخل الإعلام الإسرائيلي، ترى في السلطة الفلسطينية شريكًا أمنيًا وظيفيًا، لا كيانًا سياسيًا ذا مشروع وطني مستقل.
ويؤكد كيبنيس أن التنسيق الأمني، الذي بدأ منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، لا يزال قائمًا “وبشكل وثيق”، رغم كل الخطابات الفلسطينية التي تتحدث عن وقفه أو مراجعته.
والتنسيق، من وجهة نظره، ليس عبئًا على دولة الاحتلال بل ركيزة من ركائز “الاستقرار” في الضفة الغربية، وأحد الأسباب التي حالت دون انزلاقها إلى مواجهة شاملة، وفق الرواية الإسرائيلية.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
الأخطر في طرح كيبنيس هو توظيف هذا الواقع لتبرير “تنازل” إسرائيلي محتمل، يتمثل في السماح بعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة بعد الحرب، في ظل توقع فشل مشاريع إنشاء قوة شرطة دولية أو إدارة أمنية متعددة الجنسيات.
هنا، تتحول السلطة من كيان سياسي يفترض أنه يسعى لإنهاء الاحتلال، إلى أداة جاهزة لإدارة ما تعجز دولة الاحتلال عن إدارته مباشرة، وبكلفة أقل.
ويختزل كيبنيس الخيارات المتاحة لمواجهة حركة حماس بخيارين فقط: الجيش الإسرائيلي أو السلطة الفلسطينية وهو ما بل يعكس رؤية أمنية إسرائيلية ترى أن الفلسطينيين إما أن يُداروا بالقوة العسكرية المباشرة، أو عبر سلطة محلية تقوم بالمهمة نيابة عن الاحتلال.
ويبرز المراقبون أنه لا مكان في هذا الطرح الإسرائيلي لأي تصور سيادي حقيقي، أو لأي حديث عن حق تقرير المصير، أو عن جذور الصراع السياسية.
التنسيق الأمني جوهر وجود السلطة الفلسطينية
يمضي الكاتب في تفضيل الخيار الثاني، معتبرًا أن عودة الجيش الإسرائيلي للقتال في غزة تواجه “عقبات دولية” وكلفة بشرية وسياسية عالية، في حين تمتلك السلطة بحسب وصفه، “دافعًا أقوى” لمواجهة حماس، نتيجة الخلافات العميقة بين الطرفين منذ عام 2007.
والأكثر فجاجة هو توصيف كيبنيس لما يسميه “نضال السلطة”، إذ يعتبره “أكثر واقعية وخاليًا من البعد الديني”، ويذهب إلى أن نجاح السلطة في غزة قد يساعد تل أبيب على “نزع صفة حركة التحرر” عن حماس دوليًا.
بهذا المعنى، لا تُطلب من السلطة مواجهة الاحتلال أو إنهاء السيطرة الإسرائيلية، بل إعادة تعريف الصراع بما يخدم الرواية الإسرائيلية، وتفكيك شرعية المقاومة سياسيًا وإعلاميًا.
وفي هذا السياق، تصبح أجهزة أمن السلطة أداة مركزية في معركة السرديات، لا فقط في ضبط الوضع الميداني. فالمطلوب، وفق هذا الطرح، سلطة تضبط الفلسطينيين، وتواجه خصوم الاحتلال وتقدّم نفسها للعالم باعتبارها البديل “العقلاني” و”المعتدل”، حتى لو كان ذلك على حساب أي برنامج تحرري فعلي.
ورغم هذا الوضوح، ينتقد كيبنيس الرفض الإسرائيلي تدريب عناصر أجهزة أمن السلطة لتولي إدارة غزة، معتبرًا أن التجربة في الضفة الغربية تثبت أن “المصالح المشتركة يمكن أن تنقذ الأرواح”.
وبحسب المراقبين فإن هذا الانتقاد لا يصدر من موقع حريص على الفلسطينيين، بل من منطق نفعي بحت: لماذا لا تُستثمر منظومة أثبتت فعاليتها في الضبط الأمني لصالح الاحتلال؟
وخلاصة طرح كيبنيس أن الرهان على قوى دولية أو طروحات اليمين الإسرائيلي أقل جدوى من الاعتماد على السلطة في رام الله باعتبارها شريكًا أمنيًا مجرّبًا.
وينسف هذا الاستنتاج عمليًا أي ادعاء بأن السلطة تمثل نقيضًا للاحتلال، أو أنها تعمل في مسار تحرري مستقل. فحين يُقدَّم وجودها في غزة كحل أمني إسرائيلي، تصبح وظيفة السلطة واضحة: إدارة السكان الفلسطينيين بما يخفف العبء عن الاحتلال، لا إنهاء الاحتلال نفسه.
وما يؤكده هذا المقال، هو أن صورة السلطة الفلسطينية في الإعلام الإسرائيلي لم تعد صورة “شريك سلام”، بل صورة “وكيل أمني معتمد”، يُعوَّل عليه لضبط الأرض والناس، وتفكيك مقاومة الاحتلال من الداخل.





