معالجات اخبارية

السلطة تتجاهل مطالب تقليص رواتب الفئات العليا ودعم الفئات الدنيا

تتواصل الأزمة المالية الحادة في أروقة سلطة رام الله مع تزايد الضغوط المعيشية على الموظفين العموميين والفئات الدنيا، بينما تظل الفئات العليا في مؤسسات السلطة بمنأى عن أي إجراءات تقشفية فعلية.

ويؤكد مراقبون أن هذه الأزمة لا تنبع فقط من التبعية الاقتصادية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، بل تتفاقم بفعل سياسات الفساد المستشري التي تهدر الموارد المالية العامة، وتجعل الفجوات الاقتصادية بين الطبقات أكثر حدة.

وقد أكد الخبير الاقتصادي والأكاديمي في جامعة النجاح، سامح العطوط، على ضرورة إعادة هيكلة الاقتصاد الفلسطيني بطريقة تجعل من العدالة الاجتماعية أساسًا لإدارة الموارد، بحيث يتم دعم الطبقات الأقل حظًا في الرواتب وتقليص فجوات الدخل.

وأوضح العطوط أن الحد الأدنى للرواتب ينبغي أن يكون كافيًا لتغطية الاحتياجات الأساسية للعائلات الفلسطينية، مع اقتراح أن يصل الحد الأدنى للصرف إلى 100% حتى لفئة الراتب بين 3500-4000 شيكل، وهو المستوى الذي يمكن أن تَعِيش منه عائلة فلسطينية بشكل مقبول.

ويشير العطوط إلى أهمية نظام تصاعدي في الاقتطاعات، بحيث تتأثر الفئات الأعلى دخلًا بنسب أكبر. على سبيل المثال، إذا كان الموظف يتقاضى راتبًا يبلغ 10000 شيكل، يجب أن يحصل على 60% منه فقط، أي نحو 6000 شيكل، بينما يتم الحفاظ على الرواتب الدنيا كاملة.

وستساهم هذه السياسة في تقليل الفجوات الاقتصادية بين الفئات المختلفة، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي والسياسات الاقتصادية المتعسفة.

رواتب موظفي السلطة الفلسطينية

منذ نوفمبر 2021، يعاني الموظفون العموميون من خصومات كبيرة على رواتبهم نتيجة أزمة السيولة المالية، والتي زادت حدةً مع تراجع الإيرادات المحلية والاعتماد المتزايد على أموال المقاصة.

في المقابل، تواصل السلطة التحدث عن الإصلاحات الإدارية ومحاربة الفساد، لكن الواقع على الأرض يكشف عن سياسة مزدوجة: بينما تُنهك الطبقات الدنيا، تظل الترقيات والتعيينات في المناصب العليا والمخصصات المالية للأقارب والمقربين أمرًا يوميًا ومتكررًا.

ويؤكد مراقبون أن الرواتب الضخمة للفئات العليا، إضافة إلى البدلات والنثريات المالية المخصصة لهم، تضاعف العبء المالي على خزينة السلطة، بينما تُترك الفئات الدنيا تواجه نقص السيولة وعدم القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.

ويعكس هذا التفاوت غياب إرادة سياسية حقيقية لإصلاح هيكل الرواتب، ويبرز مدى انغماس السلطة في حماية مصالح نخبتها على حساب بقية الموظفين والمجتمع.

ويشدد المراقبون على أن تجاهل مطالب تقليص رواتب الفئات العليا ليس مجرد خطأ إداري، بل يمثل سياسات منهجية تُعزز الانقسام الاجتماعي والاقتصادي داخل المجتمع الفلسطيني.

كما أن الاستمرار في هذا النهج يُضعف الثقة بين الموظفين العموميين وجمهور المواطنين في قدرة السلطة على إدارة الموارد بشكل عادل وشفاف، ما ينعكس على الاستقرار الداخلي وعلى فرص تعزيز مشروع الدولة الفلسطينية المستقل.

وعليه تستمر الدعوات إلى تعديل سياسة الرواتب بحيث تُعطى الأولوية للفئات الدنيا والوسطى، بينما يتم فرض ضوابط صارمة على الرواتب العليا والبدلات المالية التي تتجاوز المعقول، وربطها بآليات أداء واضحة وشفافة.

كما يتعين على السلطة الفلسطينية أن تتحرر من سياسات الاعتماد على أموال المقاصة والإيرادات الإسرائيلية، وأن تسعى لتطوير موارد محلية مستدامة تضمن العدالة الاجتماعية وتحد من فجوة الدخل المتزايدة.

وسيبقي استمرار السلطة في تجاهل مطالب تقليص رواتب الفئات العليا ودعم الفئات الدنيا يمثل عائقًا رئيسيًا أمام أي إصلاح اقتصادي حقيقي، ويؤكد أن السياسات الحالية لا تخدم سوى الطبقة النخبوية، بينما تُترك غالبية الشعب الفلسطيني لمواجهة أزمات المعيشة تحت الاحتلال والفساد المستشري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى