كيف تحول مجلس الأمن إلى منصة لتمرير جريمة عربية ضد فلسطين؟

يكشف التصويت الأخير في مجلس الأمن بشأن مستقبل غزة عن تحوّل خطير في طبيعة النظام الدولي، وعن سقوط مدوٍّ لمنظومة العمل العربي والإسلامي أمام ضغوط الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب.
فما كان يؤمَل أنه لحظة مقاومة دبلوماسية يمكن أن تكبح التفرد الأميركي، انتهى إلى مشهد بدا فيه العالم، من الشرق إلى الغرب، شريكاً في تمرير قرار يرسّخ الوصاية الأميركية على غزة ويعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة بعيداً عن إرادة الفلسطينيين.
وقال الكاتب المصري وائل قنديل إن السيناريو المثالي الذي راهن عليه كثيرون يقوم على أن الدول العربية الثماني، الواقعة تحت ضغط وابتزاز أميركي هائل، ستُسند مهمة إسقاط القرار إلى روسيا والصين عبر استخدام الفيتو.
وأشار قنديل إلى أنه بهذه الطريقة يمكن للعواصم العربية أن تنجو من غضب ترامب، وفي الوقت نفسه تعطل قراراً يرى فيه كثيرون “وصفة استعمارية” لانتزاع القطاع من محيطه الوطني. لكن ما حدث كان النقيض تماماً: موسكو وبكين، ومعهما الدول العربية، اختارت طريقاً مختلفاً يخلّف آثاراً سياسية وتاريخية أعمق.
فامتناع روسيا والصين عن التصويت لم يكن مجرد حياد، بل خطوة أكثر انحداراً من الموافقة الصريحة. فهما، رغم خطابيهما القاسيين الذي ندّد بالقرار واعتبره انتزاعاً لحق الفلسطينيين في أرضهم ومقاومتهم، رفضتا استخدام سلطتهما القانونية لمنع الكارثة.
خذلان عربي لغزة
بحسب قنديل فإن كل موسكو وبكين قدّما كل الحجج التي توجب رفض القرار، ثم وقفوا على الهامش، تاركين الباب مشرعاً أمام تمرير أخطر وثيقة سياسية تطال القضية الفلسطينية منذ عقود، معتبرا أن هذا التناقض بين الخطاب والموقف جعل المشهد أقرب إلى “نفاق دولي” منه إلى ممارسة سياسية مسؤولة.
أما الصفعة الأكثر إيلاماً فجاءت من داخل البيت العربي نفسه. فقد كانت الجزائر، التي يراها كثيرون رمزاً للمقاومة ضد الاستعمار، من بين الدول التي اختارت الاصطفاف خلف القرار الأميركي، في خطوة بدت صادمة لكل من اعتقد أن الجزائر ستتخذ مساراً مختلفاً.
وقد كشف ذلك أن نفوذ واشنطن في المنطقة بلغ درجة تمكنه من دفع دول كانت تُصنّف “ممانعة” إلى التماهي مع توجهاته.
ترامب خرج من الجلسة منتشياً، تماماً كما خرج من مؤتمر شرم الشيخ المشؤوم قبل أسابيع، وهو يحمل تفويضاً عربياً غير مسبوق يمكّنه من إعادة تشكيل غزة وفق الرؤية الأميركية – الإسرائيلية المشتركة.
وأعاد الرئيس الأميركي التأكيد على أن غزة ليست سوى “قطعة صغيرة” من مشروع أكبر يهدف إلى تثبيت الهيمنة الأميركية – الصهيونية على الشرق الأوسط. ما اعتبره البعض كلاماً انتخابياً أو دعائياً قبل أسابيع، صار الآن واقعاً تتحرك بموجبه القوة الدولية المزمع نشرها.
وبحسب قنديل فإن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في مضمون القرار، بل في الآلية التي سيُنفّذ بها: قوة عربية تُنشر داخل غزة تحت القيادة الأميركية وبالتنسيق المباشر مع إسرائيل، وبمهمة واحدة واضحة—نزع سلاح الفلسطينيين والقضاء على المقاومة.
هكذا تتهيأ المنطقة لأول حرب عربية ضد المقاومة الفلسطينية، حرب تنفّذها أيدٍ عربية لخدمة مشروع إسرائيلي، وهو تحول غير مسبوق في تاريخ الصراع.
بهذا المعنى، لم تعد القضية الفلسطينية مجرد ملف تفاوضي مؤجّل أو أزمة يمكن إدارتها، بل باتت مشروعاً مستهدفاً بالإلغاء الكامل. فليس هناك أي حديث عن دولة فلسطينية، ولا تصور لدور الفلسطينيين في إدارة شؤونهم، بل عودة إلى ما قبل قيام النضال الوطني الفلسطيني الحديث، إلى زمن الانتداب، حيث تصبح غزة وباقي الأرض الفلسطينية تحت وصاية خارجية مباشرة.
واعتبر أن القضية التي جرى ذبحها سياسياً في شرم الشيخ، دُفنت رسمياً في مجلس الأمن. العالم الذي كان يُفترض أن يكون حارس العدالة الدولية، تحول إلى مسرح تُصنع فيه قرارات تصب في مصلحة المحتل. أما العرب الذين هتفوا عقوداً بـ”لا للتهجير”، فقد قبلوا—بكامل الإرادة أو تحت الضغط—بنعم كبيرة للوصاية الأميركية على غزة وفلسطين والمنطقة كلها.
وخلص إلى أن ما جرى لا يمثل فقط تحوّلاً سياسياً، بل لحظة تأسيسية لشرق أوسط جديد تُصنع حدوده وموازينه في واشنطن وتل أبيب، بينما يقف البقية إما صامتين أو مشاركين.





