قضايا الفساد والمحسوبية تحاصر سفارات السلطة الفلسطينية

تشهد سفارات السلطة الفلسطينية، ولا سيما في أوروبا، موجة فضائح بفعل قضايا الفساد والمحسوبية وسوء السلوك، وسط تحذيرات متصاعدة من تحوّل التمثيل الدبلوماسي من أداة للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني إلى منصات تخدم شبكات نفوذ شخصية وتغطي إخفاقات سياسية وأخلاقية.
وتبرز سفارة السلطة في باريس كنموذج صارخ، بعد بلاغ رسمي تقدّمت به كوادِر من الجالية الفلسطينية في فرنسا إلى هيئة مكافحة الفساد، طالبوا فيه بفتح تحقيق مستقل وشامل.
وبحسب البلاغ المؤرخ في 10 كانون الأول/ديسمبر 2025، والمرفوع إلى رئيس الهيئة الدكتور رائد رضوان، رُصدت “سلسلة ممارسات إدارية وسلوكية” تمس مكانة التمثيل الفلسطيني وتسيء لصورة العمل الحكومي في الخارج.
وتشمل هذه الممارسات تعطيل الصلاحيات، وتهميش الكادر المهني، واتخاذ قرارات فردية غير مدروسة ترتّبت عليها قضايا قانونية خاسرة وخسائر مالية ومعنوية، إضافة إلى شبهات اختلاس أموال مخصّصة لدعم الرواية الفلسطينية في الإعلام الفرنسي.
سفارة باريس: مركزية خانقة وتعيينات بالمحاباة
يشير البلاغ إلى تغوّل في الصلاحيات وتجاوز للأطر المهنية المعتمدة في التعيين والترقية، عبر الدفع بأشخاص إلى مناصب دبلوماسية دون استكمال معايير وزارة الخارجية.
وتؤكد الجالية أن مسار الترقية في السفارة “كرّس نموذج المحاباة لا الإنجاز”، بما يقوّض تكافؤ الفرص ويغلق الباب أمام كفاءات شابة مؤهلة.
وتُوجَّه انتقادات مباشرة لأداء السفيرة هالة أبو حصيرة، التي تشغل منصبها منذ 2021، إذ يَعتبر مقدمو البلاغ أن تجربتها المهنية جاءت “بمعزل عن المسارات التقليدية”، مع سحب صلاحيات من مختصين وتعطيل مشاركة كفاءات في محافل دولية، وخلق بيئة عمل وُصفت بغير المنتجة، تتناقض مع مبادئ الحوكمة الرشيدة.
ويسجّل البلاغ تورّط السفارة في قضايا قانونية أمام القضاء الفرنسي، أبرزها نزاع مع سكرتيرة انتهى بحكم لصالحها، ويُرجع ذلك إلى قرارات انفعالية اتُّخذت دون دراسة قانونية كافية.
كما أُثيرت قضية أموال قيل إنها خُصّصت من بعثة جامعة الدول العربية في باريس لدعم السفارة، مع اتهامات بأن المراجعات الرسمية كانت “خجولة”، بما يعكس غياب منظومة مساءلة فعّالة.
وتعبّر الجالية عن قلق من “الاستقواء بالسلطات الفرنسية” عبر بلاغات أمنية بحق فلسطينيين وعرب بسبب خلافات رأي، ما ألحق أضرارًا بسمعتهم وشؤونهم.
كما يتهم البلاغ السفارة بالإساءة إلى دول عربية شقيقة في أحاديث جانبية، في مخالفة للأعراف الدبلوماسية، وبإخفاقها في استثمار الزخم الشعبي والرسمي في فرنسا لصالح القضية الفلسطينية خلال الحرب على غزة، إذ اقتصر النشاط على مظاهر بروتوكولية بلا أثر سياسي ملموس.
من باريس إلى السلفادور: جدل التعيينات يتسع
لا تقف الانتقادات عند باريس. فقد أثار تعيين رينا الحناوي سفيرة في السلفادور موجة غضب واسعة، بوصفه مثالًا على “التعيين بالواسطة”.
وتشير معطيات متداولة إلى أن الحناوي، زوجة نجل رئيس المجلس الوطني روحي فتوح، لا تمتلك سجلًا دبلوماسيًا معروفًا، وأن مسار ترقيتها السريع—من راتب بلا التزام فعلي إلى درجة مدير عام ثم سفيرة—تم بقرار سياسي، بعد محاولات سابقة قوبلت بالرفض لغياب المؤهلات.
وقد وصف أستاذ العلوم السياسية عبدربه العنزي هذه الممارسات بأنها تفريغ لمؤسسة يفترض أن تكون واجهة راقية لتمثيل شعب تحت الاحتلال، معتبرًا أن “المعيار الوحيد المعتمد بات صلة القرب من مائدة النفوذ”، وأن السفارات تُدار بمنطق “مزارع خاصة”.





