معالجات اخبارية

كاتب إماراتي يهاجم المقاومة الفلسطينية من منبر صحيفة عبرية

التطبيع كأداة سياسية لتجريم النضال الفلسطيني

شكّل مقال للكاتب والمحلل الإماراتي سالم الكتبي نُشر في صحيفة عبرية إسرائيلية نموذجًا صارخًا لانزلاق التطبيع الإماراتي من مسار العلاقات الدبلوماسية إلى الاصطفاف السياسي العلني مع الرواية الإسرائيلية، وصولًا إلى لعب دور مباشر في تجريم المقاومة الفلسطينية ونزع شرعيتها داخل الوعي العربي ذاته.

فقد تبني الكتبي، الذي كتب لجمهور إسرائيلي وباللغة العبرية، بشكل كامل سردية المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، حين اعتبر أن عودة حركة حماس كحزب سياسي “مستحيلة”، وأن وجودها يشكل عائقًا بنيويا أمام أي تسوية مستقبلية، متجاهلًا حقيقة كون الحركة فاعلًا شعبيًا وسياسيًا منتخبًا، وجزءًا لا يمكن تجاوزه من المشهد الفلسطيني.

وخطورة المقال لا تكمن فقط في مضمونه، بل في وظيفته السياسية، حيث أن الكتبي لم يكتب في صحيفة عربية أو ضمن نقاش داخلي فلسطيني أو إقليمي، بل اختار منصة إعلامية إسرائيلية، في توقيت بالغ الحساسية، لتوجيه رسالة واضحة مفادها أن العرب “العقلانيين” باتوا يشاركون دولة الاحتلال الإسرائيلي تعريفها للعدو، وأن المقاومة لم تعد حركة تحرر، بل عبئًا يجب التخلص منه.

وبحسب مراقبين يتجاوز هذا الخطاب حدود النقد السياسي، ليتحوّل إلى تحريض مباشر على إقصاء المقاومة، وتبرير أي ترتيبات إسرائيلية قادمة تقوم على استبعادها بالقوة، سواء عبر الحرب، أو عبر فرض أنظمة حكم وظيفية منزوعة الإرادة والسيادة.

التطبيع الإعلامي: الوجه الأخطر

يمثل هذا المقال إحدى أخطر نتائج التطبيع الإماراتي، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على تبادل السفراء أو الاتفاقيات الاقتصادية، بل تطور إلى تطبيع إعلامي وفكري يستهدف إعادة صياغة مفاهيم الصراع، وتفريغ القضية الفلسطينية من بعدها التحرري، وتحويلها إلى “مشكلة أمنية” سببها الفلسطينيون أنفسهم.

في هذا السياق، يصبح الكاتب العربي الذي يهاجم المقاومة من منبر عبري أداة ضغط ناعمة تُستخدم لتسويق السياسات الإسرائيلية، وتقديمها كخيار “واقعي” و”عقلاني”، مقابل شيطنة كل من يرفض الخضوع لمنطق الاحتلال.

ويتجاهل الكتبي في طرحه حقيقة أساسية: أن حماس نشأت في سياق احتلال عسكري طويل، وأنها تمثل ردًّا سياسيًا وعسكريًا على انسداد الأفق، وفشل مسار التسوية الذي رعته الولايات المتحدة وباركته دولة الاحتلال، وانتهى بتوسيع الاستيطان، وتهويد القدس، وتقويض أي إمكانية لدولة فلسطينية مستقلة.

لكن المقال يتعمد القفز فوق الاحتلال، ويقدّم الصراع وكأنه صراع “فلسطيني داخلي” أو “أزمة أيديولوجية”، وهو جوهر الخطاب الإسرائيلي الذي يسعى إلى إعفاء نفسه من المسؤولية التاريخية والقانونية، وتحميل الضحية وزر الجريمة.

تحريض على نزع الشرعية عن المقاومة

الأخطر أن المقال لا يستهدف حماس فقط، بل يوجّه ضربة إلى فكرة المقاومة ذاتها. فحين يُقال إن حركة مقاومة لا يمكن أن تتحول إلى فاعل سياسي، فإن الرسالة الضمنية هي أن أي مقاومة مسلحة للاحتلال غير قابلة للاحتواء السياسي، ولا مكان لها إلا في خانة “الإرهاب”، وهو توصيف إسرائيلي بامتياز.

بهذا المعنى، يساهم الخطاب التطبيعي في تهيئة البيئة السياسية والأخلاقية لتجريم كل أشكال الرفض الفلسطيني، وتجفيف الحاضنة الشعبية للمقاومة، وتحويل الشعب الفلسطيني من صاحب حق إلى ملف أمني.

ويتقاطع مقال الكتبي مع مشاريع مطروحة إسرائيليًا وأميركيًا لما يُسمى “اليوم التالي” في غزة، والتي تقوم على إقصاء المقاومة بالقوة وفرض إدارة فلسطينية وظيفية بلا سيادة مع ربط أي تحسينات معيشية بشروط أمنية إسرائيلية وإسقاط البعد الوطني والتحرري للقضية.

وفي هذا الإطار، لا يمكن اعتبار المقال مجرد رأي فردي، بل جزءًا من منظومة خطابية إقليمية تسعى إلى إعادة إنتاج نظام عربي رسمي متصالح مع الاحتلال، ومعادٍ لأي فعل مقاوم يهدد هذا الترتيب.

كما أن ما كتبه سالم الكتبي في الصحيفة العبرية يمثل إدانة صريحة لدور بعض نخب التطبيع في التحريض على المقاومة الفلسطينية، والمشاركة في محاولات تصفيتها سياسيًا وأخلاقيًا. وهو يكشف كيف تحوّل التطبيع الإماراتي إلى أداة سياسية لتفكيك الوعي العربي، وتقديم الاحتلال كشريك، والمقاومة كخطر.

الصورة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى