دفاع بلا مقابل: كيف يخدم “سحيجة السلطة” منظومة لا تكافئ إلا الأقارب؟

يبرز نمط متكرر في المشهد السياسي والإعلامي الفلسطيني، يقوم على وجود أصوات تتولى دفاع مستميت عن السلطة الفلسطينية بشكل شبه آلي، وتهاجم كل من ينتقدها أو يكشف اختلالاتها، في مقابل صمت كامل تجاه ملفات الفساد والمحسوبية.
فقد تحولت شخصيات مثل مرتزقة “شبكة أفيخاي” علي شريم ومحمد منذر البطة إلى نموذج واضح لما بات يُعرف شعبيًا بـ”سحيجة السلطة”، وهم أفراد يعملون بشكل ممنهج على تبرير سياسات السلطة وتلميع صورتها، ليس انطلاقًا من قناعة سياسية راسخة بقدر ما هو رهان على مكاسب مستقبلية، أو أمل في نيل وظيفة أو موقع داخل منظومة الحكم.
غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن الوظائف المرموقة لا تذهب إلى هؤلاء، بل تُحسم غالبًا داخل دوائر مغلقة تحكمها العلاقات الشخصية والقرابة والنفوذ.
فساد السلطة الفلسطينية
أعاد الجدل الأخير الذي أثاره تعيين رينا الحناوي فتوح سفيرة للسلطة الفلسطينية لدى السلفادور، فتح هذا الملف على مصراعيه.
فالقرار لم يمر مرور الكرام، بل أثار موجة انتقادات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية، وطرح أسئلة مباشرة حول معايير التعيين في السلك الدبلوماسي الفلسطيني، وحول طبيعة إدارة وزارة الخارجية، خاصة عندما تتقاطع القرارات الرسمية مع الروابط العائلية.
ويرى منتقدون أن هذا التعيين لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التعيينات المثيرة للجدل، التي رسخت انطباعًا عامًا بأن مؤسسات السلطة، وخصوصًا الخارجية، باتت تُدار بمنطق المحاصصة والولاءات، لا بمنطق الكفاءة والخبرة.
فالدبلوماسية، التي يفترض أن تكون واجهة سياسية تمثل الشعب الفلسطيني وقضيته في الخارج، تحولت في كثير من الحالات إلى مساحة لتدوير أبناء المسؤولين وأقاربهم، في وقت يعاني فيه آلاف الخريجين وأصحاب الخبرة من التهميش والبطالة.
فضيحة روحي فتوح
رينا الحناوي، التي لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، هي زوجة نجل رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح.
ووفق المعطيات المتداولة، لا تمتلك سجلًا دبلوماسيًا معروفًا، ولم تعمل سابقًا في مواقع ذات صلة بالعمل الخارجي أو التمثيل السياسي ما أثار علامات استفهام واسعة حول أهليتها لتولي منصب سفيرة، وهو موقع يفترض أن يتطلب سنوات من الخبرة، ومعرفة دقيقة بالعمل الدبلوماسي، والقدرة على إدارة علاقات سياسية معقدة.
وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن الحناوي كانت تتقاضى راتبًا من مكتب رئيس المجلس الوطني دون التزام فعلي بالدوام، قبل أن تُنقل لاحقًا إلى المجلس الوطني، ثم تُرقّى خلال فترة قصيرة إلى درجة مدير عام.
وقد سهلت هذه الترقيات السريعة معادلة درجتها الوظيفية، وفتحت الطريق أمام تعيينها سفيرة بقرار سياسي، في مسار يختصر سنوات من الخدمة والخبرة التي يُفترض أن يمر بها أي دبلوماسي مهني.
وتكشف المعطيات أيضًا أن محاولات سابقة لتعيينها عبر وزارة الخارجية قوبلت بالرفض، لأسباب تتعلق بعدم توفر المؤهلات المطلوبة، إضافة إلى وجود تضارب مصالح مرتبط بعمل نجل روحي فتوح نائبًا للسفير الفلسطيني في رومانيا.
لكن هذه الاعتراضات تلاشت لاحقًا أمام ثقل القرار السياسي، ما يعكس محدودية دور المؤسسات الإدارية والرقابية أمام نفوذ العائلة والموقع.
في هذا السياق، يبرز دور الأصوات التي تتصدى للدفاع عن السلطة وتبرير قراراتها. فبدلًا من مساءلة التعيينات المشبوهة، ينشغل علي شريم ومحمد منذر البطة وأمثالهما بمهاجمة المنتقدين، واتهامهم بالتشويه أو خدمة أجندات خارجية بما يساهم في تعميق فجوة الثقة بين الشارع الفلسطيني والسلطة، ويكرس ثقافة الإفلات من المحاسبة.
الأكثر دلالة أن هذا “الدفاع المستميت” لا يترجم إلى مكاسب حقيقية لأصحابه. فالوظائف الدبلوماسية والمناصب العليا لا تُمنح للموالين في الفضاء الإعلامي، بل تُوزع داخل شبكات مغلقة من العلاقات العائلية والسياسية. وهنا تتبدد أوهام كثيرين ممن يعتقدون أن التطبيل للسلطة قد يفتح لهم بابًا في مؤسساتها.
وعليه فإن قضية تعيين رينا الحناوي هي مثال مكثف على أزمة أعمق تعيشها السلطة الفلسطينية، تتعلق بغياب الشفافية، وتآكل المعايير، وتحول المؤسسات إلى أدوات لخدمة النخب الضيقة. ومع استمرار هذا النهج، تتآكل مصداقية السلطة داخليًا وخارجيًا، وتتعزز القناعة الشعبية بأن الإصلاح الحقيقي لم يعد ممكنًا من داخل منظومة تُدار بمنطق العائلة لا الدولة.





