تحليلات واراء

السلطة تواصل تعطيل أي توافق بشأن إدارة غزة وتقدّم الحسابات الحزبية على المصلحة الوطنية

تتواصل حالة الجمود السياسي في ملف إدارة قطاع غزة، في ظل تعطيل السلطة أي توافق وطني، رغم إبداء حركة حماس استعدادًا واضحًا وفوريًا لتسليم إدارة القطاع إلى حكومة فلسطينية أو لجنة تكنوقراط تحظى بتوافق وطني وتعمل بمرجعية رسمية للسلطة.

وبحسب معطيات متقاطعة، أبلغت حركة حماس الجانب المصري بشكل صريح أنها تفضّل أن تتولى الحكومة الفلسطينية نفسها إدارة قطاع غزة، وأنها لا تمانع تسليم جميع مفاصل الحكم للسلطة الفلسطينية مباشرة، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة جادة لإنهاء الانقسام وفتح الباب أمام وحدة إدارية وسياسية في مرحلة شديدة الحساسية.

وطالبت الحركة، وفق المصادر، بلقاء مباشر مع قيادة السلطة الفلسطينية وقيادة حركة فتح لبحث آليات التسليم، إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض، وتعاملت معه قيادة السلطة بحالة من الاستعلاء السياسي، في وقت يواجه فيه قطاع غزة أوضاعًا إنسانية كارثية وتحديات وجودية غير مسبوقة.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

تحت ضغط الوساطة المصرية، عُقد لاحقًا لقاء محدود جمع حسين الشيخ، نائب رئيس السلطة الفلسطينية، وماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات العامة، وهما من أبرز مراكز النفوذ في صناعة القرار داخل السلطة، مع خليل الحية، رئيس حركة حماس في غزة ورئيس وفدها المفاوض، إلى جانب قيادات من الحركة.

وخلال هذا اللقاء، أكدت حماس مجددًا، بحسب مصادر حضرت النقاشات، استعدادها الكامل لتسليم إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية، وأبدت مرونة لافتة وصلت إلى حد القبول بتشكيل لجنة إدارية تكون مرجعيتها السلطة الفلسطينية، ويصدر بشأنها مرسوم رئاسي من الرئيس محمود عباس، وتكون جزءًا من الحكومة الفلسطينية الرسمية.

ورغم هذا العرض، لم تسجّل أي استجابة عملية من جانب السلطة الفلسطينية حتى الآن.

فلا خطوات سياسية، ولا تصريحات رسمية واضحة، ولا تحركات جدية تعكس نية تحمل المسؤولية الوطنية تجاه قطاع غزة، في وقت يفسّر فيه هذا الصمت على نطاق واسع باعتباره خضوعًا للإرادة الإسرائيلية والأميركية، وتفضيلًا للحسابات الحزبية الضيقة على متطلبات المرحلة الوطنية.

ويرى مراقبون أن السلطة لم تخض أي معركة سياسية حقيقية لفرض دورها في غزة، رغم أن الظرف الراهن قد يشكل فرصة نادرة لاستعادة الوحدة الفلسطينية، بل بدا سلوكها، وفق توصيفهم، أقرب إلى الانتظار السلبي لما ستقرره العواصم المؤثرة، لا المبادرة الوطنية المستقلة.

اليوم التالي للحرب على غزة

زاد من حدة الانتقادات سلوك السلطة في موازاة هذه التطورات، حيث عقدت لقاءات مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي طُرح اسمه سابقًا ضمن تصورات دولية لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، رغم الرفض الفلسطيني الواسع لأي وصاية أو إدارة أجنبية.

وجاء ذلك في وقت أعلنت فيه حماس بوضوح رفضها المطلق لأي دور لشخصيات أو جهات غير فلسطينية، وتمسكها بأن تكون السلطة الفلسطينية وحدها صاحبة الدور في غزة.

كما كشفت مصادر عن لقاءات أخرى جمعت مسؤولين في السلطة مع المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، جرى خلالها بحث “بدائل” لإدارة القطاع، في تناقض صارخ مع ما تعلنه السلطة نظريًا عن التمسك بالوحدة الوطنية، ومع الموقف المعلن لحماس الرافض لأي حلول تتجاوز الإطار الفلسطيني.

في المقابل، تؤكد حركة حماس، وفق مصادر مطلعة، أنها معنية بشكل فعلي بتوحيد الموقف الفلسطيني، وأن مبادرتها تهدف إلى إعادة الاعتبار للدور الوطني الجامع للسلطة الفلسطينية، لا إلى تكريس الانقسام أو الالتفاف عليه.

وترى هذه المصادر أن حركة حماس قدمت ما يكفي من التنازلات السياسية والإدارية لإزالة الذرائع أمام السلطة.

ويجمع محللون على أن الكرة باتت في ملعب السلطة الفلسطينية، التي تتحمل، وفق هذا التقييم، مسؤولية مباشرة عن استمرار الفراغ السياسي والإداري في غزة، وترك القطاع يواجه مصيره في ظل حرب مدمرة وحصار خانق، دون رؤية وطنية جامعة أو قرار شجاع يضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الفصائلية.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على مخاطر كبرى، ما لم تبادر السلطة إلى مراجعة موقفها، والانخراط الجدي في مسار وطني جامع يعيد توحيد النظام السياسي الفلسطيني، بعيدًا عن منطق الإقصاء والرهان على حلول مفروضة من الخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى