كيف أفشلت السلطة تشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة غزة على مدار عامين؟

كشفت مصادر صحفية، صباح اليوم، أن حركة “فتح” رفضت المشاركة في لقاءات القاهرة المخصصة لبحث المرحلة الثانية من الاتفاق المتعلق بقطاع غزة، رغم وصول وفود جميع الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة “حماس”، إلى العاصمة المصرية.
ويأتي هذا الرفض على الرغم من تطمينات قدمها النظام المصري لقيادة فتح، تضمنت ضمان دور “قيادي” لها في المرحلة المقبلة.
ولا يُمكن اعتبار هذا الموقف الأخير حادثة معزولة، إذ يندرج ضمن سجلّ ممتد من التعطيل المنهجي الذي مارسته السلطة الفلسطينية وحركة فتح ضد أي صيغة وطنية توافقية لإدارة قطاع غزة خلال أكثر من عامين، وصولًا إلى إفشال تشكيل لجنة تكنوقراط مستقلة لإدارة القطاع في “اليوم التالي للحرب”.
السلطة ولجنة التكنوقراط
ومنذ طرح فكرة تشكيل لجنة تكنوقراط أو “لجنة إسناد مجتمعي” لإدارة غزة، أبدت قيادة حركة فتح قبولًا مبدئيًا بالفكرة على المستوى الخطابي، لكنها سرعان ما وضعت شروطًا جعلت تنفيذها شبه مستحيل.
فقد أصرت الحركة على أن تكون اللجنة خاضعة إداريًا وتنفيذيًا للسلطة الفلسطينية في رام الله، وأن يتولى رئاستها وزير من الحكومة، بما يحولها من جسم مستقل إلى امتداد بيروقراطي للسلطة.
وهذا الموقف أفرغ فكرة اللجنة من مضمونها، وحوّلها من أداة لإدارة مرحلة استثنائية في قطاع مدمّر، إلى أداة صراع على الصلاحيات والنفوذ.
القاهرة ولجنة إدارة غزة
وفي إطار جهودها لإيجاد مخرج عملي لإدارة غزة، قادت مصر سلسلة مباحثات مع الفصائل الفلسطينية، أسفرت عن إعداد قائمة أولية تضم نحو أربعين اسمًا لشخصيات وطنية ومهنية من أبناء القطاع، جرى التوافق عليها وطنيًا.
لاحقًا، جرى تقليص القائمة إلى ثمانية أسماء فقط، جميعهم من داخل غزة، في خطوة هدفت إلى منع إدخال شخصيات غادرت القطاع خلال الحرب أو كانت خارجه.
وشاركت في اختيار الأسماء مختلف الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركتا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في محاولة لإغلاق باب الخلافات السياسية، والتركيز على إدارة مدنية مهنية بحتة.
إلا أن هذه الصيغة قوبلت برفض غير معلن من حركة فتح، التي دفعت باتجاه فرض أسماء بعينها، أبرزها وزير الصحة في حكومة رام الله ماجد أبو رمضان، لرئاسة لجنة إدارة غزة، وهو ما رفضته القاهرة بشكل قاطع.
إدارة قطاع غزة
وخلال لقاءات القاهرة، عبّر ممثلو السلطة الفلسطينية، وعلى رأسهم حسين الشيخ وماجد فرج، عن استيائهم مما وصفوه بـ”غياب الدور الفاعل للسلطة” في إدارة غزة خلال المرحلة المقبلة. وطالبا بأن تكون السلطة طرفًا إداريًا مباشرًا في إدارة القطاع، لا مجرد مرجعية سياسية أو قانونية.
وفي المقابل، شددت القاهرة على أن دور السلطة سيكون “شرعيًا فقط”، ضمن مرجعية اللجنة، دون أن تتحول إلى جهة تنفيذية، وهو ما اعتبرته فتح تقليصًا لدورها، وليس صيغة توافقية.
وفي هذا السياق، طرح وفد السلطة شرط “نزع سلاح حماس” كمدخل لأي ترتيبات سياسية مستقبلية، في محاولة لربط الإدارة المدنية بملف أمني وسياسي بالغ التعقيد، ما فُسّر على أنه سعي لتأجيل أي حل عملي تحت عناوين سياسية كبرى.
وأسفرت لقاءات القاهرة عن موافقة فتح المبدئية على تشكيل لجنة إسناد مجتمعي لإدارة غزة، برئاسة رئيس شبكة المنظمات الأهلية أمجد الشوّا، على أن تكون مرجعيتها السلطة الفلسطينية. غير أن هذا التوافق لم يصمد طويلًا.
فبعد عودة حسين الشيخ وماجد فرج إلى رام الله، فوجئت القاهرة بحملة إعلامية شنتها حركة فتح ووسائل إعلام محسوبة عليها ضد الشوّا، جرى خلالها نفي الموافقة على تشكيل اللجنة من الأساس، واشتراط أن يتولى رئاستها وزير من الحكومة الفلسطينية.
هذا التحول المفاجئ أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر، وكرّس انطباعًا متزايدًا لدى الوسطاء بأن المشكلة لا تتعلق بالأسماء، بل بطبيعة الدور الذي تريد فتح الاحتفاظ به.
من القاهرة إلى الدوحة
ومع تعثر مسار القاهرة، حاولت الدوحة التدخل لعقد لقاء وطني بين حركتي فتح وحماس، بهدف تجاوز عقدة لجنة التكنوقراط، إلا أن هذه الجهود اصطدمت برفض حسين الشيخ عقد أي لقاء مع قيادة حماس، رغم محاولات قطرية حثيثة لجمع الطرفين.
وهذا الرفض لم يُقرأ كخلاف إجرائي، جاء كموقف سياسي واضح يهدف إلى تعطيل أي مسار توافقي لا يضمن للسلطة استعادة السيطرة الكاملة على قطاع غزة.
فتح ترفض لقاء الفصائل
وفي تطور لافت، غابت حركة فتح عن لقاء الفصائل الثمانية الذي عُقد مؤخرًا في القاهرة، في حين شجعت السلطات المصرية تلك الفصائل على إصدار بيان ختامي، وحظي اللقاء بتغطية إعلامية واسعة في وسائل الإعلام المصرية.
وبحسب مصادر فلسطينية مطّلعة، فإن القاهرة باتت تنظر بقلق متزايد إلى مواقف السلطة الفلسطينية وحركة فتح، معتبرة أن الحسابات الفئوية والشخصية باتت تطغى على المصالح الوطنية الفلسطينية العليا، وهو ما دفعها لإيصال رسائل واضحة مفادها أن المسار الذي انطلق من القاهرة سيستمر، بغض النظر عن موقف فتح منه.
ويتزامن هذا التعطيل السياسي مع إجراءات اتخذتها السلطة الفلسطينية بحق الأسرى المحررين وعائلات الشهداء والجرحى، تمثلت في قطع مخصصاتهم، وإيقاف رواتبهم بعد نقل ملفاتهم إلى “مؤسسة التمكين”، التي حولت الحالات لاحقًا إلى وزارة الشؤون الاجتماعية.
وعلى مدار عامين، لم تُفشل السلطة الفلسطينية تشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة غزة بسبب خلاف تقني أو قانوني، لكن نتيجة رؤية سياسية تعتبر أي صيغة لا تضمن السيطرة الكاملة تهديدًا مباشرًا لمكانتها.
وبينما تحاول القاهرة إنتاج إدارة انتقالية واقعية لقطاع مدمّر، تصرّ قيادة فتح على إعادة إنتاج نموذج مركزي فقد شرعيته وفعاليته، وفي ظل استمرار هذا النهج، يبدو أن “اليوم التالي لغزة” سيظل رهينة حسابات سياسية ضيقة، يدفع ثمنها سكان القطاع وحدهم.





