مستقبل سلطة رام الله نحو إطار إداري محدود الصلاحيات وبلا سيادة

يجمع مراقبون على أن سلطة رام الله تتجه بخطى متسارعة نحو التحول إلى إطار إداري محدود الصلاحيات وبلا سيادة، يقتصر دوره على إدارة التجمعات السكانية الفلسطينية من دون أي مضمون سيادي حقيقي.
ويتمثل هذا المسار، بحسب المراقبين نتيجة منطقية لتفكك الأسس السياسية التي قامت عليها السلطة، وإعادة إنتاج نموذج الحكم الذاتي المقيد بصيغة أكثر هشاشة وتبعية.
ويبرز هؤلاء أن اتفاق أوسلو انتهى فعليًا، حتى وإن لم يُعلن ذلك رسميًا، فالاتفاق، الذي شكّل الإطار الناظم لقيام السلطة الفلسطينية، جرى تفريغه تدريجيًا عبر إجراءات إسرائيلية ميدانية متراكمة، أفقدته أي قدرة على إنتاج مسار سياسي يؤدي إلى دولة مستقلة أو حتى سيادة جزئية.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
ويرى المحلل السياسي أمجد بشكار أن أي إعلان إسرائيلي صريح عن ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة لن يكون سوى “المسمار الأخير في نعش أوسلو”، مشددًا على أن هذا النعش كان قد أُفرغ من مضمونه منذ سنوات.
ووفق بشكار، فإن الضم لم يعد احتمالًا مستقبليًا أو ورقة ضغط تفاوضية، بل واقعًا يُنفذ بهدوء وبصورة تدريجية على الأرض.
ويستشهد بشكار بتصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عام 2017، حين دعا صراحة إلى الانتقال من “إدارة الصراع” إلى “حسمه”، في إطار ما عُرف بخطة “حسم الصراع”.
آنذاك، جرى التعامل مع هذه الطروحات بوصفها أفكارًا أيديولوجية لتيار يميني متطرف، غير أن ما كان يُطرح كنظرية سياسية أصبح اليوم سياسة رسمية تُنفذ على الأرض عبر التوسع الاستيطاني، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، وفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة.
رد الفعل الفلسطيني على الضم الإسرائيلي
يرى مراقبون أن الإشكالية لا تكمن فقط في طبيعة السياسات الإسرائيلية، بل في غياب استجابة فلسطينية سياسية بحجم التهديد.
فقيادة سلطة رام الله، بحسب بشكار، واصلت الرهان على مسار سياسي لم يعد قائمًا فعليًا، رغم التحولات البنيوية في الموقف الإسرائيلي وانتقاله من إدارة مؤقتة للاحتلال إلى مشروع ضم دائم.
وقد خلق هذا الرهان، وفق التقديرات، فجوة متزايدة بين الواقع السياسي الفعلي والخطاب الرسمي الفلسطيني، ما أضعف القدرة على بلورة استراتيجية مواجهة متماسكة، سواء على المستوى الداخلي أو في الساحة الدولية.
وفي الوقت الذي تفرض فيه دولة الاحتلال وقائع جديدة على الأرض، بقيت السلطة أسيرة أدوات سياسية فقدت فعاليتها، من المفاوضات الثنائية إلى التعويل على تدخلات دولية محدودة التأثير.
ويشير محللون إلى أن تل أبيب لا تحتاج إلى إعلان رسمي بحل السلطة الفلسطينية، إذ تعمل بصورة منهجية على تفريغها من مضمونها السيادي، مع الإبقاء على هياكلها الإدارية والأمنية كأداة لإدارة الشأن اليومي للفلسطينيين.
ويحقق هذا النموذج لإسرائيل هدفين متوازيين بالتخلص من الأعباء المباشرة لإدارة السكان، ومنع نشوء كيان سياسي فلسطيني قادر على تحدي مشروعها الاستيطاني.
في هذا السياق، تتحول سلطة رام الله تدريجيًا إلى جهاز خدماتي، يتولى إدارة البلديات والتعليم والصحة والرواتب، من دون أي سيطرة فعلية على الأرض أو الموارد أو المعابر. ومع تآكل صلاحياتها، تتراجع قدرتها على تمثيل الفلسطينيين سياسيًا، وتفقد شرعيتها بوصفها نواة لدولة مستقبلية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا المسار سيقود إلى إعادة تعريف وظيفة السلطة بالكامل، من مشروع سياسي انتقالي إلى إدارة محلية موسعة تعمل تحت سقف الاحتلال وهو ما يعيد إنتاج نموذج “الحكم الذاتي” الذي ساد في مراحل سابقة، ولكن بصيغة أكثر تشددًا وأقل قابلية للتطور.
وعليه فإن سلطة رام الله أمام مفترق حاسم، فإما الاستمرار في إدارة واقع يتآكل سياسيًا وسياديًا، أو إعادة النظر جذريًا في دورها ووظيفتها وأدواتها. دون ذلك، يحذر محللون من أن السلطة ستجد نفسها محصورة في إطار إداري محدود، يؤدي دور الوسيط الخدمي، بينما تُحسم القضايا المصيرية على الأرض من طرف واحد.




