شبكة إماراتية إسرائيلية تمتد عبر أفريقيا تجمع بين الموانئ والتجسس الرقمي

كشف تحقيق عن شبكة متنامية تربط البنية التحتية الاقتصادية للإمارات بشركات تكنولوجية إسرائيلية مرتبطة بالمؤسسات الاستخباراتية، في مشروع يمتد عبر عدة دول أفريقية ويجمع بين السيطرة على الموانئ والتجسس الرقمي والنفوذ السياسي.
وأوضح تحقيق لمنصة “دارك بوكس” الاستخبارية، أن هذا النظام يقوم على تداخل المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، حيث يتم دمج الأصول اللوجستية التي تديرها شركات إماراتية مع أنظمة مراقبة وبرامج تجسس طورتها شركات إسرائيلية، ما يخلق شبكة نفوذ عابرة للحدود داخل القارة الأفريقية.
ويشير التحقيق إلى أن محور هذه الشبكة يتمثل في شركة موانئ دبي العالمية، وهي شركة لوجستية عالمية تدير عدداً كبيراً من الموانئ ومحطات الشحن حول العالم.
وتقدم الشركة رسمياً باعتبارها مؤسسة تجارية متخصصة في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية، إلا أن محللين يرون أنها تلعب أيضاً دوراً يتجاوز النشاط الاقتصادي ليشمل أبعاداً استراتيجية تتعلق بالنفوذ الجيوسياسي للإمارات.
وتدير الشركة أو تشغل محطات بحرية رئيسية في عدد من الدول الأفريقية، بينها أنغولا وموزمبيق ورواندا والسنغال ومصر وجنوب أفريقيا، ما يمنحها موقعاً مؤثراً في حركة التجارة الدولية وخطوط الشحن عبر القارة.
عمليات أمنية واستخباراتية مرتبطة بإسرائيل
تشير الوثائق المسربة إلى أن بعض هذه الموانئ تحول تدريجياً إلى مراكز لوجستية تتقاطع فيها الأنشطة التجارية مع عمليات أمنية واستخباراتية مرتبطة بإسرائيل.
وتسلط التحقيقات الضوء أيضاً على صلات غير مباشرة بين شبكة الموانئ هذه وشخصيات مالية دولية، بينها رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين.
وتكشف مراسلات بريد إلكتروني نسبت إلى إبستين عن علاقات اتصال مع سلطان أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية.
وبحسب التحقيق، أظهرت هذه الرسائل إشارات إلى نفوذ إبستين في بعض أنشطة الموانئ في منطقة القرن الأفريقي، حيث تحدث في مراسلاته عن أرباح مرتبطة بتجارة الأسلحة وصفقات الماس وغيرها من الأنشطة التي استفادت من الوصول إلى طرق الشحن الدولية.
وتشير الوثائق إلى أن إبستين كان يمتلك شبكة سفر واسعة في أفريقيا، حيث زار دولاً مثل سيراليون والسنغال وأنغولا والغابون وساحل العاج.
العمل تحت غطاء إنساني
بحسب الوثائق جرى تقديم هذه الرحلات في العلن باعتبارها بعثات إنسانية مرتبطة بمشاريع تنموية وصحية، شاركت فيها شخصيات عامة بينها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.
لكن التحقيق يشير إلى أن النمط الجغرافي لهذه الزيارات يتطابق إلى حد كبير مع مواقع توسعت فيها الموانئ الإماراتية وشركات التكنولوجيا الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة.
ويرى محللون أن هذا التداخل يعكس استراتيجية تجمع بين السيطرة على البنية التحتية اللوجستية واستخدام تقنيات المراقبة الرقمية لتعزيز النفوذ السياسي.
وتكشف التحقيقات أن عدداً من الشركات الإسرائيلية المرتبطة بخريجي وحدات الاستخبارات العسكرية قامت بتزويد حكومات أفريقية بأنظمة مراقبة إلكترونية وبرامج تجسس وتقنيات للطائرات بدون طيار.
ومن أبرز هذه التقنيات برنامج التجسس بيغاسوس الذي طورته شركة مجموعة إن إس أو الإسرائيلية، والذي يسمح بالوصول إلى الهواتف المحمولة وتتبع الاتصالات ومراقبة المستخدمين.
كما أشار التحقيق إلى استخدام برنامج تجسس آخر هو بريداتور المرتبط بتحالف إنتليكسا، والذي استخدم في عدة دول أفريقية لاستهداف صحفيين ونشطاء مجتمع مدني عبر هجمات إلكترونية متطورة.
وتعود أصول كثير من هذه الشركات إلى ضباط سابقين في وحدات الاستخبارات الإسرائيلية، بينها الوحدة 8200 التي تعد واحدة من أبرز وحدات الاستخبارات السيبرانية في العالم.
وبحسب مصادر التحقيق، فإن الجمع بين البنية التحتية اللوجستية الإماراتية والتكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية خلق نموذجاً جديداً لما يسميه بعض المحللين “النفوذ الاستعماري الرقمي”.
في هذا النموذج، تمنح امتيازات إدارة الموانئ التي توفرها الاستثمارات الإماراتية سيطرة استراتيجية على طرق التجارة والشحن، بينما توفر شركات الأمن السيبراني الإسرائيلية أدوات المراقبة التي تسمح للحكومات بمتابعة الاتصالات الرقمية ومراقبة المعارضين وإدارة عمليات استخراج الموارد.
تقنيات مراقبة رقمية
تظهر هذه الديناميكية في عدة دول أفريقية. ففي موزمبيق، أصبح ميناء مابوتو الذي تشارك موانئ دبي العالمية في تشغيله نقطة محورية مرتبطة بمشاريع الغاز الطبيعي والعمليات الأمنية في مقاطعة كابو ديلغادو.
وفي الوقت نفسه سعت شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية للحصول على عقود لتزويد طائرات استطلاع بدون طيار ضمن برامج مكافحة الإرهاب في المنطقة.
وفي رواندا، يتقاطع وجود البنية اللوجستية الإماراتية مع تقنيات مراقبة رقمية اشترتها الحكومة من شركات إسرائيلية متخصصة في تحليل البيانات والاتصالات.
أما في السنغال، فقد تزامن تطوير مرافق الموانئ الجديدة مع إدخال أنظمة مراقبة جماعية عرضتها شركات تحليل بيانات إسرائيلية على الأجهزة الأمنية.
كما أنشأت شركات الأمن السيبراني الإسرائيلية مكاتب إقليمية في جنوب أفريقيا لتقديم خدمات تتعلق بجدران الحماية وأنظمة المراقبة ومنصات تحليل المعلومات الاستخباراتية.
ويؤكد محللون أن هذا النظام المتكامل يخلق شبكة نفوذ تجمع بين الاقتصاد والتكنولوجيا والاستخبارات، حيث توفر الموانئ السيطرة على حركة التجارة العالمية، بينما تتيح التقنيات الرقمية الوصول إلى البيانات الحساسة التي تنتجها الحكومات وشركات الاتصالات والبنية التحتية.
ويشيرون إلى أن هذه الشبكة قد تستخدم لتعزيز النفوذ السياسي الخارجي وإدارة الموارد الطبيعية في أفريقيا، في وقت تثير فيه هذه الترتيبات تساؤلات متزايدة حول السيادة الرقمية والتحكم في البيانات داخل الدول الأفريقية.
ويخلص تحقيق دارك بوكس إلى أن تلاقي رأس المال الإماراتي مع التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية أدى إلى إنشاء بنية نفوذ واسعة على مستوى القارة تجمع بين إدارة الموانئ وأنظمة المراقبة الرقمية.
ورغم تقديم هذه المشاريع علناً باعتبارها شراكات تنموية أو تعاوناً أمنياً، فإن التحقيق يشير إلى أنها تطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل السيطرة على البنية التحتية الحيوية والبيانات في أفريقيا، وتأثير ذلك على التوازنات السياسية في القارة.





