تحليلات واراء

دليل جديد على حجم الانفصال الحاد بين سلطة رام الله والواقع الفلسطيني المتفجر

يفضح توقيع المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي “تمكين” مذكرة تفاهم مع الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون حجم الانفصال الحاد بين مؤسسات سلطة رام الله والواقع المتفجر الذي يعيشه الفلسطينيون والمنطقة بأكملها، حيث تتصاعد الحروب الإقليمية، وترتفع أسعار النفط والغاز، وتتزايد التهديدات باستخدام السلاح النووي، في مشهد يعيد تشكيل الشرق الأوسط على وقع النار.

ويظهر الحدث، الذي جرى في رام الله قبل أيام، مدى انشغال السلطة باتفاقيات إعلامية شكلية في وقت تتعرض فيه بنيتها السياسية لتآكل متسارع بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي، الذي يواصل فرض وقائع ميدانية تهدف إلى إنهاء أي دور فعلي لها على الأرض.

ويكشف هذا التوقيت عن خلل عميق في أولويات السلطة، التي تبدو عاجزة عن مواكبة التحولات الكبرى، بينما تتجه المنطقة نحو إعادة رسم خرائط النفوذ، وسط حديث متصاعد عن تفكك تحالفات دولية تقليدية وتراجع أدوار قوى كبرى، في مقابل صعود صراعات مفتوحة.

أحمد مجدلاني ويكيبيديا

يرتبط هذا المشهد باسم أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس مؤسسة “تمكين”، والذي يقود مؤسسة تحولت إلى رمز لسياسات مثيرة للجدل، خاصة في ملف تقليص رواتب الأسرى وذوي الشهداء والجرحى، وهو الملف الذي فجّر غضبًا شعبيًا واسعًا.

ويؤكد دور “تمكين” في هذا السياق انتقال السلطة إلى تنفيذ إجراءات اعتُبرت عقابية بحق فئات واسعة من الفلسطينيين، في استجابة مباشرة لضغوط سياسية ومالية، ما عزز الانطباع بأن القرار الوطني بات مرتهنًا لإملاءات خارجية.

ويرد مجدلاني على هذه الانتقادات بالقول إنه “ينفذ ولا يقرر”، إلا أن هذا الموقف يعمّق الأزمة بدلًا من احتوائها، إذ يعكس غياب المساءلة داخل مؤسسات السلطة، ويؤكد وجود منظومة تعمل بمعزل عن الإرادة الشعبية.

ويفاقم هذا الانفصال ردود مجدلاني التي اتسمت بالتوتر تجاه الشارع، حيث وصف تساؤلات المواطنين حول سياسات مؤسسته بأنها “وقحة”، داعيًا إلى توجيه النقد إلى جهات أخرى، في خطاب يعكس استعلاءً سياسيًا يزيد من اتساع الفجوة مع المجتمع.

فضائح أحمد مجدلاني

يتزامن ذلك مع فضيحة أثارتها تقارير إعلامية حول ضبط زوجة مجدلاني على جسر الكرامة وبحوزتها كميات من السجائر المهربة، في واقعة تضرب مصداقية الخطاب الرسمي، وتفتح باب التساؤلات حول السلوك الشخصي للنخبة الحاكمة.

ويأتي هذا الجدل في ظل تصريحات سابقة لمجدلاني حول راتبه، الذي اعتبره غير كافٍ، رغم تقديرات تشير إلى حصوله على دخل أعلى بكثير، ما يعزز صورة نمطية لمسؤولين منفصلين عن الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه المواطنون.

ويسجل أيضًا على مجدلاني هجومه على الأسر الفقيرة، ووصمهم بصفات مهينة، في وقت تعتمد فيه هذه الفئات على المساعدات للبقاء، ما يعكس توجهًا رسميًا يلقي باللوم على الضحايا بدلًا من معالجة جذور الأزمة.

ويربط الشارع الفلسطيني بين هذه السياسات وبين نهج أوسع داخل السلطة، يقوم على إدارة الأزمات بدلًا من حلها، وتقديم حلول بيروقراطية لا تمس جوهر المشكلة، في ظل غياب رؤية سياسية واضحة.

ويبرز في المقابل استمرار الاحتلال الإسرائيلي في فرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال التوسع الاستيطاني والاقتحامات اليومية، ما يضعف أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني فعلي، ويقوض دور السلطة تدريجيًا.

ويعكس هذا الواقع أن السلطة تتحرك في مسار موازٍ للأحداث، حيث تركز على الاتفاقيات الشكلية والأنشطة الإعلامية، بينما تتآكل قدرتها على التأثير السياسي والميداني.

كما يكشف توقيع مذكرة التفاهم عن نموذج متكرر في أداء السلطة، يقوم على إنتاج مشاهد رسمية مصورة تعطي انطباعًا بالحركة، دون أن تنعكس على الواقع بأي تغيير ملموس.

يؤكد هذا النموذج غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع التحديات، سواء على الصعيد الداخلي المرتبط بالأزمة الاقتصادية والاجتماعية، أو على الصعيد الخارجي المرتبط بالصراع مع الاحتلال.

ويضع هذا المشهد مؤسسات السلطة أمام اتهامات متزايدة بالعجز والانفصال، في وقت يتطلب فيه الوضع قرارات حاسمة تعيد الاعتبار للبعد الوطني، وتستجيب لتطلعات الشارع.

ويخلص الواقع إلى أن استمرار هذا النهج يعمق أزمة شرعية سلطة رام الله ويعزز فقدان الثقة، في ظل إدراك متزايد لدى الفلسطينيين بأن مؤسسات السلطة باتت تتحرك خارج سياق معركتهم اليومية، وتدير مشهدًا سياسيًا شكليًا لا يعكس حجم التحديات القائمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى