عباس يسقط القضايا الوطنية الجوهرية من مسودة الدستور الفلسطيني

يكشف الجدل المتصاعد حول مسودة الدستور الفلسطيني الجديد عن أزمة سياسية وقانونية عميقة تتجاوز الصياغات التقنية إلى جوهر المشروع الوطني نفسه، في ظل اتهامات متزايدة لقيادة سلطة رام الله وعلى رأسها محمود عباس، بإنتاج وثيقة دستورية “منفصلة عن الواقع” وتسقط أبرز القضايا الوطنية الجوهرية للشعب الفلسطيني.
وأكد المستشار القانوني البارز ناصر الريس، أن المسودة الحالية فشلت في مقاربة الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها قضية اللاجئين، التي تم “تمريرها مرور الكرام” دون تعريف واضح للاجئ أو تثبيت صريح لحقوقه، بما في ذلك حق العودة والتعويض ما يعكس توجهاً لإعادة صياغة الأولويات الوطنية خارج الإجماع التاريخي الفلسطيني.
ويعكس إسقاط ملف اللاجئين من متن الوثيقة الدستورية تراجعاً غير مسبوق عن أحد أعمدة القضية الفلسطينية، في لحظة يفترض فيها أن يكون الدستور أداة تثبيت للحقوق لا منصة لتآكلها. فالدساتير، بطبيعتها، تُكتب لحماية الثوابت في مواجهة التحولات السياسية، لا لتكييف هذه الثوابت وفق موازين قوى مؤقتة.
الدستور الفلسطيني ويكيبيديا
يتوازى ذلك مع غياب أي نصوص صريحة لمساءلة الاحتلال الإسرائيلي عن جرائمه المستمرة منذ عام 1967، سواء في ما يتعلق بالقتل أو الاستيطان أو نهب الموارد.
ويفرغ هذا الغياب، وفق مراقبين، الدستور الجديد من بعده التحرري، ويحوّله إلى وثيقة إدارية داخلية، تتجاهل واقع الاحتلال الذي يُفترض أن يشكّل السياق الأساسي لأي بناء دستوري فلسطيني.
وبهذا الصدد حمل الريس السلطة الفلسطينية مسؤولية إنتاج هذه الوثيقة، مشيراً إلى أنها صيغت من قبل فريق ضيق، دون إشراك حقيقي لمكونات المجتمع الفلسطيني، خصوصاً الشباب.
وأبرز أن هذا النهج يعيد إنتاج نمط “الإدارة من أعلى”، ويؤكد أن المسودة ليست نتاج حوار وطني شامل، بل تعبير عن رؤية أحادية تُفرض على المجتمع.
وتُظهر طريقة إعداد المسودة خللاً بنيوياً في مفهوم الشراكة، إذ تغيب عنها النقاشات المجتمعية الواسعة، ولا تعكس التعدد السياسي والاجتماعي الفلسطيني. وبدلاً من أن تكون الوثيقة عقداً اجتماعياً جامعاً، تبدو أقرب إلى نص بيروقراطي يفتقر إلى الشرعية الشعبية.
بنية النظام السياسي الفلسطيني
في البعد الحقوقي، يصف الريس صياغة الحريات بأنها تعود إلى “عقلية قديمة”، لا تواكب التحولات الحديثة في مفهوم الحقوق.
فالمسودة، وفق قراءته، تغفل حقوقاً أساسية مثل الحق في الوصول إلى الإنترنت، في وقت تتضمن فيه قيوداً قد تؤدي إلى إسقاط الحق في التقاضي أو التعويض بفعل مرور الزمن، ما يشكّل تراجعاً خطيراً عن المعايير الحقوقية المعاصرة.
ويتعمق القلق أكثر عند النظر إلى بنية النظام السياسي المقترح، حيث تحذّر الانتقادات من تكريس واضح لهيمنة السلطة التنفيذية. يشير الريس إلى أن رئيس السلطة يحكم عملياً عبر “القرارات بقانون”، دون رقابة حقيقية، وأن المسودة الجديدة لا تضع قيوداً كافية على هذه الصلاحيات، ما يفتح الباب أمام استمرار الحكم الفردي.
وتؤسس هذه الصيغة، بحسب التحليل، لنظام سياسي يعيد إنتاج الأزمة الحالية بدل معالجتها، حيث تتغوّل السلطة التنفيذية على حساب باقي السلطات، وتُفرغ فكرة الفصل بين السلطات من مضمونها.
وفي غياب ضمانات دستورية صارمة للمساءلة والعزل، يتحول الدستور إلى غطاء قانوني لترسيخ واقع سياسي قائم على التفرد.
وتتجلى الإشكاليات أيضاً في المادة الرابعة من المسودة، التي تنص على أن “الإسلام هو الدين الرسمي في دولة فلسطين” بصياغة ملتبسة تثير تساؤلات حول طبيعة الدولة. فالدولة، في المفاهيم الدستورية الحديثة، كيان مدني لا دين له، بينما الأفراد هم من ينتمون إلى الأديان.
ويعكس استخدام عبارة “الدين الرسمي في الدولة” بدلاً من “الدين الرسمي للدولة” محاولة لغوية للالتفاف على الإشكال دون حسمه، ما يفتح الباب لتفسيرات متناقضة.
ويزداد هذا الغموض مع النص على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع”، في تراجع عن صيغة “المصدر الأساسي” الواردة في مسودة 2003، وهو ما يعكس تردداً بين إرضاء تيارات دينية وتجنب صدام مع الخطاب المدني.
ويتناقض هذا الطرح مع مبدأ المساواة الذي تنص عليه مواد أخرى في المسودة، ما يخلق خللاً بنيوياً في النص الدستوري نفسه. فإقرار هوية دينية رسمية للدولة، بأي صيغة، يضع المواطنين غير المنتمين لهذا الدين في موقع رمزي أدنى، حتى وإن ضُمنت لهم حقوق شكلية.
ويبتعد هذا التوجه عن الإرث التاريخي للحركة الوطنية الفلسطينية، التي قامت على شراكة إسلامية–مسيحية، وعلى مفهوم وطني جامع لا يقوم على أساس ديني. ومن هذا المنظور، تبدو المسودة وكأنها تقطع مع أحد أهم عناصر القوة التاريخية للمشروع الوطني.
وعليخ تعكس مسودة الدستور، بصيغتها الحالية، أزمة مركبة في الرؤية السياسية للقيادة الفلسطينية، حيث يجري إسقاط القضايا الجوهرية، وتكريس بنية سلطوية، واللجوء إلى صيغ لغوية رمادية لتجنب الحسم في مسائل مصيرية.
كما تكشف هذه الوثيقة عن خلل عميق في تعريف الدولة المنشودة: هل هي دولة تحرر وطني تستند إلى الحقوق التاريخية، أم كيان إداري منزوع السياق السياسي؟ في ظل هذه التناقضات، يبدو أن المسودة لا تؤسس لدولة حديثة، بل تفتح الباب لأزمة دستورية وسياسية طويلة الأمد، تعكس انفصالاً متزايداً بين القيادة والشعب.





