عشية حلول عيد الأضحى: احتجاجات غاضبة في الضفة ضد قطع رواتب الأسرى والشهداء

تتصاعد حالة الغضب الشعبي في الضفة الغربية عشية عيد الأضحى، مع اتساع الاحتجاجات ضد سلطة رام الله على خلفية استمرار قطع رواتب الأسرى وعائلات الشهداء والجرحى استجابة للإملاءات الإسرائيلية والأمريكية.
وشهدت مدينة نابلس اليوم الثلاثاء، احتجاجات غاضبة بعدما أغلق أهالي الأسرى شارع فيصل الحيوي وسط المدينة، احتجاجاً على رفض السلطة صرف رواتب أبنائهم، مطالبين بوقف ما وصفوه بسياسة “التجويع والإذلال” التي تمارسها السلطة بحق الأسرى المحررين وعائلات الشهداء.
ورفع المحتجون شعارات تندد بالإجراءات التي اتخذتها السلطة الفلسطينية خلال الأشهر الأخيرة، معتبرين أن السلطة تحولت من جهة يفترض أن تدافع عن قضية الأسرى إلى أداة لمعاقبة هذه الفئة والتنكر لتضحياتها.
وتأتي احتجاجات نابلس بعد أيام من اعتصامات متواصلة نظمها جرحى وأسرى محررون وذوو شهداء أمام مقر رئاسة الوزراء في رام الله، حيث افترش المحتجون الشوارع والأرصفة في محاولة للضغط على الحكومة للتراجع عن قرار قطع الرواتب.
وأكد المعتصمون أن غالبية الأسرى المحررين وعائلات الشهداء والجرحى يعتمدون بشكل أساسي على هذه الرواتب المحدودة لتأمين احتياجاتهم المعيشية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة في الضفة الغربية.
سياسة إذلال الأسرى وعائلات الشهداء
قال مشاركون في الاعتصامات إن السلطة تتعامل مع الأسرى وعائلات الشهداء بعقلية أمنية وإدارية مهينة، عبر إجراءات “انتقامية” وتهدف إلى دفع هذه الفئات نحو الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
وخلال الأشهر الماضية، أقدمت السلطة الفلسطينية على وقف مخصصات آلاف الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء، في إطار قرارات استندت إلى توصيات أمنية وضغوط سياسية ومالية خارجية.
وتزامنت هذه الإجراءات مع نقل ملف الأسرى والشهداء إلى مؤسسة “تمكين” الاقتصادية التي يرأسها عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أحمد مجدلاني، في خطوة أثارت موجة غضب واسعة داخل الشارع الفلسطيني.
ويتهم أسرى محررون وعائلات شهداء المؤسسة الجديدة بممارسة “سياسات إذلال ممنهجة”، عبر فرض إجراءات معقدة وفحوصات اجتماعية ومراجعات بيروقراطية مهينة للحصول على مساعدات مالية محدودة، بعد تحويل القضية من ملف وطني إلى ملف “معونات اجتماعية”.
ويقول محتجون إن السلطة إلى جانب قطع الرواتب، تعمدت الانتقاص من رمزية الأسرى والشهداء وتحويلهم إلى حالات فقر تخضع لمعايير الحاجة والعوز، بدلاً من التعامل معهم كأصحاب قضية وطنية ونضالية.
مخصصات الأسرى والشهداء
كان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد أصدر في فبراير 2025 قراراً بإلغاء القوانين والأنظمة المتعلقة بمخصصات الأسرى والشهداء والجرحى، في خطوة أثارت صدمة وغضباً واسعين في الأوساط الفلسطينية.
واعتبرت فصائل وقوى فلسطينية القرار حينها استجابة مباشرة للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، التي طالبت مراراً بوقف صرف مخصصات الأسرى وعائلات الشهداء تحت ذريعة “مكافحة التحريض”.
وعمليا تخلت قيادة سلطة رام الله عن واحد من أكثر الملفات حساسية في الوعي الوطني الفلسطيني، عبر إعادة صياغة قضية الأسرى والشهداء ضمن إطار اقتصادي واجتماعي بحت، بعيداً عن بعدها السياسي والنضالي.
ويؤكد أهالي الأسرى أن التحويل إلى مؤسسة “تمكين” تسبب فعلياً بحرمان أعداد كبيرة من الأسرى المحررين وعائلات الشهداء من أي دعم مالي، بعدما أصبحت المساعدات مرتبطة بمستوى الدخل ومعايير الفقر، وليس بحجم التضحيات أو سنوات الاعتقال والإصابة.
وقال عدد من المحتجين إنهم يشعرون بأن السلطة تعاقبهم مرتين؛ الأولى بسبب سنوات الاعتقال أو فقدان أبنائهم، والثانية عبر قطع مصادر رزقهم وتركهم يواجهون الفقر والعوز دون حماية.
كما أثارت طريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع الاحتجاجات انتقادات واسعة، بعد محاولات متكررة لتفريق الاعتصامات والضغط على المشاركين لوقف تحركاتهم.
ويرى ناشطون أن السلطة باتت تتعامل مع أي احتجاج اجتماعي أو سياسي بوصفه تهديداً أمنياً، في ظل تصاعد حالة الاحتقان الشعبي وتراجع الثقة بأداء القيادة الفلسطينية.
وتأتي هذه الأزمة في وقت تواجه فيه السلطة الفلسطينية واحدة من أصعب مراحلها السياسية والاقتصادية، وسط اتهامات متزايدة لها بالارتهان للضغوط الخارجية والتنسيق الأمني مع الاحتلال، مقابل تراجع حضورها الشعبي داخل الشارع الفلسطيني.
وقد تحولت قضية رواتب الأسرى والشهداء إلى رمز لأزمة أعمق تتعلق بمستقبل السلطة الفلسطينية ووظيفتها السياسية، خاصة مع تنامي شعور قطاعات واسعة من الفلسطينيين بأن السلطة لم تعد تمثل مصالحهم الوطنية والاجتماعية.
وفي ظل استمرار الاحتجاجات، يطالب أهالي الأسرى والجرحى والشهداء السلطة بالتراجع الفوري عن قرارات قطع الرواتب، ووقف ما يصفونه بسياسة “الإهانة المنظمة” بحق الفئات التي دفعت أثماناً باهظة خلال عقود الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.





