معالجات اخبارية

بعد عامين من النشأة.. تزايد التفكك داخل ميليشيات ياسر أبو شباب

منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية عام 1967، لم تتوقف دولة الاحتلال الإسرائيلي عن تطوير أدوات سياسية وأمنية تهدف إلى تفكيك البنية الاجتماعية والوطنية الفلسطينية، وإضعاف أي مشروع وطني جامع يمكن أن يقود إلى دولة فلسطينية مستقلة.

وفي هذا السياق التاريخي الطويل، تتكرر أنماط مختلفة في الشكل، لكنها تتقاطع في الجوهر والهدف، وهو محاولة خلق بدائل محلية موازية للقيادة الوطنية، وإعادة هندسة المجتمع الفلسطيني ضمن أطر أمنية يمكن التحكم بها أو توجيهها.

روابط القرى

وأحد أبرز النماذج المبكرة لهذه السياسات كان مشروع “روابط القرى” الذي أطلقته سلطات الاحتلال في الضفة الغربية عام 1978.

وقد ظهر المشروع في بدايته كهيئات محلية لإدارة شؤون الفلسطينيين اليومية بعيداً عن منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن جوهره كان يتجاوز الطابع الإداري، إذ سعى إلى إنتاج قيادة محلية بديلة تكون مرتبطة بالاحتلال وقابلة للتوظيف السياسي لاحقاً، بما يساهم في فصل المجتمع الفلسطيني عن تمثيله الوطني الحقيقي.

وقد اعتمد المشروع على تعيين شخصيات محلية محدودة التأثير والشرعية، ومنحها أدواراً إدارية ضيقة ضمن إطار السيطرة الإسرائيلية المباشرة.

لكن هذا النموذج لم يلقَ قبولاً شعبياً، بل واجه رفضاً واسعاً منذ بدايته، إذ نظر إليه الفلسطينيون باعتباره محاولة مكشوفة لإعادة تشكيل القيادة خارج السياق الوطني.

ومع تصاعد المقاومة الشعبية، خاصة خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، انهار المشروع عملياً، وانتهى دوره مع إعادة تثبيت منظمة التحرير الفلسطينية كممثل سياسي أساسي للشعب الفلسطيني.

الميليشيات في غزة

وبعد عقود، ومع اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، نشأ سياق مختلف تماماً اتسم بانهيار جزئي في المنظومة الأمنية نتيجة القصف المكثف، وتضرر البنية المؤسسية، إضافة إلى فراغات أمنية في بعض المناطق بعد خروج مراكز الاحتجاز والسجون عن الخدمة وهروب عدد من الموقوفين، بينهم عناصر جنائية وأخرى متهمة بملفات أمنية حساسة.

وهذا الواقع أوجد بيئة معقدة سمحت بظهور تشكيلات مسلحة محلية غير نظامية في بعض المناطق، خاصة في شرق قطاع غزة.

وفي هذا السياق برز اسم العميل ياسر أبو شباب بوصفه قائداً لمجموعة مسلحة محلية نشأت في شرق رفح، وتطورت لاحقاً لتصبح محط جدل واسع في الروايات الإعلامية والميدانية.

وتشير بعض التحليلات والتقارير إلى أن هذه المجموعة تعمل في مناطق فراغ أمني، وتضم عناصر ذات خلفيات جنائية أو مطلوبة في قضايا مختلفة، كما تنخرط في أنشطة مرتبطة بالسيطرة المحلية وفرض الإتاوات والوجود المسلح خارج الأطر النظامية.

ومع توسع الحديث حول هذه الميلشيات، ظهرت أسماء أخرى ارتبطت بها، من بينها العميل الداعشي غسان الدهيني الذي يعتبر كأحد الوجوه البارزة داخل هذا التشكيل، وهو من مواليد رفح عام 1987، وقد ارتبط اسمه بقضايا أخلاقية وجنائية.

والتحق في صفوف أجهزة أمن السلطة باكرًا بفعل والده الذي كان مسؤولا بجهاز الأمن الوطني الذي توفي لاحقا وحاليا يحمل رتبة ملازم أول ويدعي بأنه “رائد”.

وضمه تنظيم “جيش الاسلام” لصفوفه على خلفية تشدده الفكري وعينه مسؤولا لمنطقة رفح لكنها فصلته بعد برهة من الوقت على قضية شذوذ جنسي.

واعتقل مرات عدة على قضايا جنائية لدى الأجهزة الأمنية في غزة منها في مارس 2020 ونوفمبر 2022.

كما يُذكر اسم العميل أشرف المنسي في إطار الحديث عن شبكات داخلية مرتبطة بالنشاط الأمني أو الجنائي ضمن هذا السياق، وعمل على تشكيل عصابة مكونة من نحو عشرين عنصرًا من ذوي السوابق في قضايا مخدرات وسرقة وفساد.

وسبق أن أكدت الجهات الأمنية في المقاومة أن المنسي وشركاءه يتحملون مسؤولية أعمال خيانة وطنية وهدّدت باتخاذ إجراءاتٍ ثورية صارمة ضد كل من يثبت تورطه معهم.

ويعمل المنسي ومن معه من المرتزقة مقابل المال والمخدرات وحماية من الاحتلال، وتجنيد متعاونين محليين في وقت تؤكد أوساط المقاومة أن متابعة تحركات العصابة مستمرة، وأن الضربات الوقائية ستستمر حتى اجتثاثها بالكامل.

إلى جانب اسم العميل حسام الأسطل الذي عمل ضابطاً سابقاً في جهاز الأمن الوقائي، وارتبط اسمه بملفات أمنية معقدة، من بينها ما يتعلق باغتيال العالم الفلسطيني فادي البطش عام 2018.

وتتوسع هذه الشبكة من الأسماء في بعض التقارير لتشمل شخصيات أخرى ارتبطت بأجهزة أمنية أو ملفات جنائية، حيث يُشار إلى العميل شوقي أبو نصيرة ضمن هذا السياق بوصفه شخصية أمنية سابقة التحقت لاحقاً بهذه المجموعة، في حين تتقاطع هذه الأسماء ضمن سردية أكبر تتحدث عن تشكل بيئة مسلحة في غزة بعد الحرب.

وبحسب التطورات الأخيرة، تشهد المجموعات المتعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي حالة واضحة من التفكك الداخلي، تجلت في اشتباكات وتصفيات متبادلة بين عناصرها.

وتزامن ذلك مع تسجيل حالات لعودة بعض العناصر إلى محيطهم العائلي والاجتماعي، عقب إعلانهم تسوية أوضاعهم، ضمن مسارات وجهود محلية تهدف إلى احتواء “المغرر بهم” وإعادتهم إلى مجتمعهم.

ويعكس هذا المشهد فشل محاولات الاحتلال إعادة تنظيم هذه المجموعات أو تثبيت حضورها على الأرض.

ميليشيات أبو شباب

وعند قراءة هذا المشهد ضمن سياقه التاريخي، يظهر نمط متكرر في المقارنة بين نموذج “روابط القرى” في الضفة الغربية، وبين الظواهر المسلحة المحلية التي ظهرت في غزة بعد 2023، حيث يقوم كلا النموذجين على فكرة إنتاج بدائل محلية خارج الإطار الوطني التقليدي.

ففي حين اعتمد النموذج الأول على أدوات إدارية ومدنية تحت السيطرة المباشرة، فإن النماذج الحديثة في غزة نشأت في سياق أمني مضطرب، واتخذت طابعاً مسلحاً في ظل فراغات القوة القائمة.

ورغم اختلاف الظروف التاريخية والجغرافية، إلا أن القاسم المشترك بين هذه النماذج يتمثل في محاولة إعادة تشكيل البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني عبر أدوات غير تقليدية، سواء عبر الإدارة المحلية أو عبر القوة المسلحة.

ومع ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن هذه المشاريع غالباً ما تصطدم بعامل حاسم يتمثل في الموقف الشعبي، الذي لم يمنح مثل هذه التشكيلات شرعية اجتماعية مستقرة، بل ظل يميل في لحظات التحول إلى إعادة التموضع حول البنى الوطنية الأكثر رسوخاً.

وفي المحصلة، يبقى هذا النمط من الظواهر جزءاً من صراع أوسع على البنية الداخلية الفلسطينية، حيث تتقاطع العوامل الأمنية والسياسية والاجتماعية في تشكيل مشهد شديد التعقيد، تتداخل فيه الروايات، وتختلف فيه القراءات، لكن يظل العامل الشعبي والشرعية المجتمعية هو العنصر الأكثر حسماً في تحديد مصير أي نموذج بديل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى