معالجات اخبارية

تسريب مي كيلة يكشف حجم الانقسامات والصراعات في مؤتمر فتح الثامن

فجّر تسريب لوزيرة الصحة السابقة في سلطة رام الله مي كيلة، ومسؤول دائرة المغتربين في منظمة التحرير فيصل عرنكي، موجة صدمة وغضب داخل أوساط حركة “فتح” بعد أن كشف حجم الانقسامات والصراعات الشخصية والكواليس التي رافقت المؤتمر الثامن للحركة.

وأظهر التسريب، الذي انتشر على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حواراً مليئاً بالشتائم والاتهامات المتبادلة ضد قيادات بارزة في حركة فتح، وسط حديث صريح عن “الكوتات” والمحسوبيات وصفقات توزيع المناصب داخل اللجنة المركزية والمجلس الثوري.

وخلال التسجيل، بدت مي كيلة غاضبة بصورة واضحة من نتائج المؤتمر الثامن، ومن الطريقة التي جرى بها توزيع المواقع القيادية داخل الحركة، مؤكدة أنها كانت تعتزم الترشح لعضوية اللجنة المركزية قبل أن تتراجع بناءً على نصيحة حسين الشيخ نائب رئيس سلطة رام الله.

واتهمت كيلة قيادة حركة فتح بإقصائها لصالح ترتيبات داخلية وصفقات نفوذ، مهاجمة عدداً من أبرز قيادات فتح، وفي مقدمتهم جبريل الرجوب وحسين الشيخ وليلى غنام.

تسريب مي الكيلة وفيصل عرنكي

قالت كيلة في التسريب، إن جبريل الرجوب “لا يستحق” عضوية اللجنة المركزية، بينما وصفت حسين الشيخ بأنه “غبي”، معتبرة أن ليلى غنام حصلت على مقعد في اللجنة المركزية كان من المفترض أن يذهب لها، مضيفة أن غنام “مكانها المجلس الثوري فقط”.

وكشف الحوار المسرب مستوى غير مسبوق من التراشق الداخلي بين قيادات حركة فتح، حيث رد فيصل عرنكي، الذي ظهر في التسجيل باعتباره ابن عمة مي كيلة، باتهامات مباشرة لحسين الشيخ، قائلاً إنه “طلع وسخ” وإنه فرض ليلى غنام داخل اللجنة المركزية لتمثيل “الكوتة النسائية”.

وأضاف عرنكي أن حسين الشيخ ارتكب خطأ سياسياً بعدما سمح بصعود شخصيات مثل ماجد فرج وجبريل الرجوب بنتائج تصويت أعلى منه، معتبراً أن الرجوب يعمل لسحب منصب نائب الرئيس من حسين الشيخ.

ووصف عرنكي الرجوب بأنه “مخرب”، مضيفاً أن الأخير كان يسأل المقربين منه داخل الحركة: “أنت عباسي ولا عرفاتي؟”، في إشارة إلى حجم الانقسام والاستقطاب داخل فتح بين التيارات المتنافسة على خلافة محمود عباس والسيطرة على القرار التنظيمي.

هجوم لفظي على قيادات بارزة في فتح

أبدت مي كيلة خلال التسجيل تخوفاً واضحاً من وصول جبريل الرجوب إلى منصب نائب الرئيس، قائلة إنه “بسواش”، ومعتبرة أنه يقود تكتلاً داخل الحركة يستهدف إزاحة حسين الشيخ من موقعه.

كما كشف التسريب عن حجم التدخلات الشخصية والولاءات داخل عملية اختيار أعضاء اللجنة المركزية، حيث قال فيصل عرنكي إن محمود عباس ومحمود الهباش وزياد أبو عمرو كانوا يؤيدون تعيين مي كيلة عبر “كوتة المسيحيين”.

ويرى مراقبون أن التسريب سلط مجددا الضوء على حدة طبيعة الصراعات داخل فتح، حيث تحولت الحركة التي كانت تقود المشروع الوطني الفلسطيني إلى ساحة صراع مفتوح بين مراكز النفوذ والأجهزة الأمنية والتحالفات الشخصية.

كما أظهر التسجيل حجم التدهور السياسي والتنظيمي داخل الحركة، مع غياب أي خطاب يتعلق بالمشروع الوطني أو مواجهة الاحتلال، مقابل تركيز كامل على المناصب والكوتات وتقاسم النفوذ داخل مؤسسات السلطة.

ويعتبر كثير من الفلسطينيين أن ما ورد في التسريب يؤكد الاتهامات الدائمة الموجهة لقيادة فتح بشأن هيمنة المحسوبيات والعلاقات الشخصية على بنية الحركة، وتحول مؤسساتها إلى أدوات لإدارة الصراع الداخلي بدلاً من خدمة المشروع الوطني.

وأثار التسريب موجة واسعة من السخرية والغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر ناشطون أن الحوار يعكس “المستوى الحقيقي” للنخبة السياسية داخل سلطة رام الله، بعد سنوات من الخطابات الرسمية حول الوحدة والإصلاح والتنظيم.

كما رأى آخرون أن التسريب يمثل دليلاً إضافياً على عمق الأزمة التي تعيشها فتح، خصوصاً مع تصاعد الصراع حول مرحلة ما بعد محمود عباس، والتنافس المحموم بين الأجنحة المختلفة داخل الحركة والأجهزة الأمنية.

ويأتي هذا الجدل في وقت كان يفترض فيه أن يشكل المؤتمر الثامن لحركة فتح محطة لإعادة ترتيب أوضاع الحركة وتوحيد صفوفها بعد سنوات من الانقسامات والتراجع الشعبي، إلا أن النتائج والتسريبات المتلاحقة أظهرت عكس ذلك تماماً.

وبدلاً من الخروج بصورة موحدة، كشفت كواليس المؤتمر عن حالة استقطاب حادة وصراعات شخصية عميقة بين القيادات، في ظل اتهامات متبادلة بالتآمر والإقصاء والتلاعب بنتائج الانتخابات الداخلية.

ويجمع محللون على أن المؤتمر الثامن لحركة فتح الذي انعقد مؤخرا في مدينة رام الله، لم ينجح في تجديد شرعية الحركة أو استعادة ثقة الشارع الفلسطيني، بل عمّق حالة الشكوك بشأن مستقبل فتح في ظل معاناتها من صراع النفوذ الشخصي والمواقع الإدارية والأمنية داخل السلطة ومنظمة التحرير.

ويحذر المحللون من أن استمرار هذا المستوى من الانقسام والتراشق الداخلي قد يدفع نحو مزيد من التفكك داخل فتح، خاصة مع غياب قيادة توافقية قادرة على احتواء الصراعات المتزايدة بين الأجنحة المتنافسة وسط مخاوف أن تتحول مرحلة ما بعد محمود عباس إلى ساحة صدام مفتوح داخل الحركة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى