تحليلات واراء

مصادر: عباس يعرقل خطة الجامعة العربية لتحريك دعوى جنوب أفريقيا ضد الاحتلال

كشفت مصادر عربية وفلسطينية مطلعة أن رئيس سلطة رام الله محمود عباس تحرك لعرقلة خطة كانت الجامعة العربية تستعد لإطلاقها بهدف دعم وتحريك المسار القانوني الذي تقوده جنوب أفريقيا ضد الاحتلال الإسرائيلي أمام المحاكم الدولية.

وجاءت خطوة عباس بعد أيام قليلة من إعلان الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي عزمه الانتقال من مرحلة البيانات السياسية إلى اتخاذ إجراءات قانونية عملية بشأن حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.

وقالت المصادر إن عباس طلب من الأمين العام للجامعة العربية، خلال اجتماع عقد في العاصمة الأردنية عمّان مساء الخميس، التريث في أي تحرك قانوني عربي يهدف إلى تفعيل الدعم الرسمي للدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد الاحتلال.

وبحسب المصادر فإن عباس أبلغ فهمي بوضوح أن أولويته الحالية تتمثل في ممارسة ضغوط سياسية للإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى الحكومة الإسرائيلية، وعدم فتح مسارات قد تؤدي إلى تصعيد إضافي مع تل أبيب في هذه المرحلة.

وأضافت المصادر أن اللقاء شهد نقاشاً حول آليات التحرك العربي خلال المرحلة المقبلة، إلا أن عباس شدد على ضرورة إعطاء الأولوية للمسار السياسي والمالي، معتبراً أن الأزمة المالية التي تواجه السلطة تتطلب التركيز على استعادة أموال الضرائب قبل الانخراط في خطوات قانونية جديدة ضد الاحتلال.

دعوى جنوب أفريقيا في المحكمة الجنائية

كان الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي أعلن، في أول مؤتمر صحفي له عقب تسلمه منصبه في 13 يوليو/تموز 2026، أن ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية يمثل “جريمة إبادة جماعية من قتل وتجويع وتهجير قسري”، مؤكداً أن الجامعة العربية لن تكتفي بإصدار البيانات السياسية، وأنها ستعمل على اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بما ينسجم مع حجم الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.

واعتبرت أوساط قانونية عربية أن تصريحات فهمي شكلت تحولاً في خطاب الجامعة العربية، خصوصاً مع اختياره أن تكون فلسطين أول محطة خارجية له، وإعلانه صراحة ضرورة تفعيل الأدوات القانونية الدولية لملاحقة قادة الاحتلال على الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية.

وأطلقت جنوب أفريقيا في 29 ديسمبر/كانون الأول 2023 دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها إسرائيل بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة، قبل أن تدعم القضية لاحقاً بمذكرات قانونية إضافية، فيما أعلنت دول عدة انضمامها أو دعمها للمسار القضائي، الأمر الذي منح القضية زخماً دولياً متزايداً.

كما قدمت بريتوريا في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024 مذكرة جديدة إلى محكمة العدل الدولية طالبت فيها بالإسراع في إجراءات النظر بالقضية، بما يساهم في تعزيز المساءلة الدولية، ويدعم الجهود المرتبطة بمذكرات التوقيف التي يسعى الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى تنفيذها بحق مسؤولين إسرائيليين.

ورغم ذلك، تشير تقديرات قانونية إلى أن الزخم الذي رافق الدعوى تعرض لتراجع خلال الأشهر الماضية، في ظل ضغوط أمريكية وغربية متزايدة، والتطورات التي شهدتها المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى غياب تحرك عربي رسمي منظم لدعم الملف قضائياً، وعدم دفع مذكرات قانونية تكميلية يمكن أن تعزز الأدلة المتعلقة بالجرائم المرتكبة في قطاع غزة.

مبادرة عباس لسحب دعوى جنوب أفريقيا

كشفت مصادر فلسطينية وعربية عن وجود مفاوضات وصفت بالمتقدمة، تجري عبر 13 دولة وسيطة، معظمها دول غربية، بمبادرة من مكتب عباس، بهدف بحث إمكانية مطالبة جنوب أفريقيا والدول المنضمة إلى الدعوى بسحب القضية أو تجميدها مقابل تفاهمات سياسية ومالية.

وبحسب المصادر، فإن عباس طرح خلال هذه الاتصالات الإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية باعتباره أولوية قصوى، كما أثار ملفات داخلية تتعلق بحركة فتح والسلطة وترتيبات تتعلق بضمان استمرار تصعيد نجله ياسر عباس داخل البنية القيادية الفلسطينية.

وقالت المصادر إن المفاوضات أشرف عليها المستشار الدبلوماسي للرئيس مجدي الخالدي، ورئيس جهاز المخابرات العامة اللواء ماجد فرج، إضافة إلى ياسر عباس، عبر سلسلة لقاءات واتصالات مع وسطاء دوليين.

من جهته، قال مصدر فلسطيني سابق في السلطة إن استخدام الأزمات المالية كورقة لتبرير تنازلات سياسية وقانونية ليس جديداً، مشيراً إلى أن سلطة رام الله لجأت في محطات سابقة إلى ربط ملفات العدالة الدولية باعتبارات سياسية داخلية وخارجية.

وأوضح أن أبرز تلك السوابق تمثلت في قرار تأجيل التصويت على تقرير غولدستون في مجلس حقوق الإنسان عام 2009، وهو القرار الذي أثار آنذاك موجة واسعة من الانتقادات الفلسطينية والعربية، بعدما اعتبر معطلاً لمسار مساءلة الاحتلال عن الجرائم التي ارتكبها خلال العدوان على قطاع غزة.

وأضاف المصدر أن الظروف الحالية تختلف من حيث حجم الجرائم المرتكبة، إلا أن آلية إدارة الملف تبدو متشابهة، مع استمرار تقديم الاعتبارات السياسية والمالية على حساب استكمال المسار القانوني الدولي.

في المقابل، يؤكد مراقبون أن التطورات الأخيرة عززت من أهمية استمرار الدعوى التي تقودها جنوب أفريقيا، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، واتساع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، إلى جانب التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين بشأن إعادة احتلال القطاع وفرض سياسات تهجير للسكان، وهي معطيات يعتبرها خبراء القانون الدولي عناصر إضافية يمكن إدراجها ضمن ملف القضية.

كما يشير المراقبون إلى أن أي تحرك عربي رسمي لدعم الدعوى من شأنه أن يعزز الضغوط القانونية والدبلوماسية على حكومة الاحتلال، في وقت تواجه فيه المحكمة الجنائية الدولية ضغوطاً أمريكية متصاعدة، كان آخرها تصريحات مسؤولين أمريكيين توعدوا باتخاذ إجراءات ضد المحكمة بسبب ملاحقتها مسؤولين إسرائيليين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى