سلطة رام الله تتخلى عن آلاف عمال غزة العالقين في الضفة وتدفعهم نحو حواجز الاحتلال

تواصل آلاف العمال من قطاع غزة العالقين في الضفة الغربية منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مواجهة أوضاع إنسانية ومعيشية متفاقمة، في ظل غياب حلول رسمية من سلطة رام الله.
وكشفت مصادر محلية أن عددا متزايدا من عمال غزة العالقين لجأوا خلال الأشهر الأخيرة إلى تسليم أنفسهم للحواجز العسكرية الإسرائيلية أملاً في ترحيلهم إلى قطاع غزة، بعد أن فقدوا الأمل في إنهاء معاناتهم داخل الضفة الغربية.
ويعيش هؤلاء العمال، الذين دخل معظمهم إلى الأراضي المحتلة عام 1948 بتصاريح عمل قانونية قبل السابع من أكتوبر، ظروفاً استثنائية بعدما ألغت سلطات الاحتلال جميع تصاريح العمل الخاصة بسكان غزة فور اندلاع الحرب.
ومنذ ذلك الوقت أصبح هؤلاء مطاردين داخل الضفة الغربية، غير قادرين على العودة إلى القطاع أو العمل أو التنقل بحرية، في وقت تتهم فيه أوساط حقوقية وإنسانية السلطة الفلسطينية بالتقصير في التعامل مع قضيتهم.
عالقون داخل سجن كبير
أكدت مصادر فلسطينية أن عدداً متزايداً من عمال غزة بدأوا يتوجهون طوعاً إلى الحواجز العسكرية الإسرائيلية لتسليم أنفسهم، بعد أن أصبح الترحيل إلى قطاع غزة بالنسبة لهم أقل قسوة من البقاء في الضفة الغربية وسط البطالة والعوز والانقسام في التعامل معهم.
وأوضحت المصادر أن بعض العمال فضلوا مواجهة مخاطر الاعتقال والتحقيق على يد قوات الاحتلال مقابل الوصول إلى عائلاتهم في غزة، بينما يخشى آخرون تكرار تجارب مئات العمال الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب وسوء المعاملة قبل إعادتهم إلى القطاع في الأشهر الأولى من الحرب.
وتشير تقديرات فلسطينية إلى أن نحو 18 ألفاً إلى 19 ألف عامل من غزة كانوا يحملون تصاريح عمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948 عشية السابع من أكتوبر 2023، قبل أن تلغي سلطات الاحتلال تلك التصاريح بشكل جماعي، فيما أعيد آلاف منهم قسراً إلى قطاع غزة، بينما بقي آلاف آخرون عالقين في مدن الضفة الغربية.
ويقول عمال يقيمون في مدن رام الله ونابلس والخليل وبيت لحم إنهم يعيشون منذ أكثر من عامين ونصف في حالة من الخوف الدائم، إذ يتجنبون المرور عبر الحواجز العسكرية الإسرائيلية خشية الاعتقال، كما لا يستطيعون السفر بين المحافظات بحرية أو البحث عن فرص عمل، الأمر الذي جعلهم معتمدين بالكامل على مساعدات محدودة يقدمها متبرعون أو مؤسسات خيرية.
ويصف عدد من العمال أوضاعهم بأنها أشبه بـ”السجن المفتوح”، مؤكدين أنهم يعيشون في شقق جماعية متواضعة يتقاسمها عدة أشخاص، فيما يعجز كثيرون عن دفع إيجارات المساكن أو توفير الاحتياجات الأساسية، بعد استنفاد مدخراتهم التي جمعوها خلال سنوات العمل داخل الأراضي المحتلة.
ويضيف العمال أن همهم الأكبر لا يتمثل في أوضاعهم داخل الضفة الغربية فقط، وإنما في مصير عائلاتهم المحاصرة داخل قطاع غزة، حيث فقد كثير منهم الاتصال بأسرهم لفترات طويلة بسبب انقطاع الاتصالات والقصف المستمر، فيما قتل أو أصيب أقارب لبعضهم خلال الحرب.
تجاهل سلطة رام الله لمعاناة عمال غزة
في مقابل هذه الظروف، يوجه العمال انتقادات حادة لسلطة رام الله، متهمين إياها بالتعامل معهم بصورة انتقائية، ومنح امتيازات ومساعدات مالية لفئات محدودة ممن يمتلكون علاقات أو وساطات داخل مؤسسات السلطة، بينما تُركت الغالبية الساحقة منهم دون أي دعم منتظم.
ويقول عمال من غزة إن المساعدات التي حصلوا عليها من السلطة اقتصرت على دفعات مالية محدودة خلال الفترة الماضية، لم تتجاوز في معظم الحالات 750 شيكلاً في كل مرة، وهي مبالغ لا تكفي لتغطية جزء بسيط من تكاليف الإقامة والمعيشة، خصوصاً مع اضطرار مجموعات منهم إلى دفع مئات الدولارات شهرياً كإيجارات وفواتير سكن.
كما يشكو العمال من غياب أي برنامج رسمي لمعالجة أوضاعهم القانونية أو توفير فرص عمل مؤقتة أو تأمين صحي أو مساعدات اجتماعية، رغم مرور أكثر من عامين على بقائهم داخل الضفة الغربية.
ويؤكد عدد منهم أن حالة الاحتقان بين أبناء غزة وبعض الأوساط في الضفة الغربية، وما يرافقها من تراشق إعلامي وخطاب تحريضي، انعكست بصورة مباشرة على حياتهم اليومية، إذ أصبحوا يشعرون بأنهم غير مرحب بهم في كثير من المناطق، وهو ما زاد من عزلتهم الاجتماعية وصعوبة حصولهم على فرص عمل.
بدورها اعتبرت منظمات حقوقية أن وضع عمال غزة العالقين يمثل أحد أكثر الملفات الإنسانية إهمالاً منذ اندلاع الحرب، مشيرة إلى أن الاحتلال يمنعهم من حرية الحركة داخل الأراضي الفلسطينية، رغم أن الضفة الغربية وقطاع غزة يعدان إقليماً واحداً بموجب القانون الدولي.
وأكدت المنظمات الحقوقية أن منع سكان غزة من التنقل داخل الضفة الغربية أو العودة الآمنة إلى منازلهم يمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، كما أن إلغاء تصاريح العمل الجماعي وتحويل آلاف العمال إلى أشخاص فاقدي الوضع القانوني أدى إلى تعريضهم لخطر الاعتقال التعسفي والانتهاكات المستمرة.
وسبق أن وثقت منظمات حقوق الإنسان تعرض مئات العمال من غزة للاعتقال بعد السابع من أكتوبر، ونقلهم إلى مراكز احتجاز إسرائيلية، بينها معتقلا عوفر وعناتوت، حيث تحدث معتقلون مفرج عنهم عن تعرضهم للضرب والإهانة والتجويع وسوء المعاملة قبل ترحيلهم إلى قطاع غزة.
ويؤكد مراقبون أن استمرار تجاهل هذا الملف من قبل سلطة رام الله، وعدم تبني خطة شاملة لمعالجة أوضاع العمال العالقين، يزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية، ويترك آلاف الأسر الفلسطينية رهينة أوضاع معيشية وأمنية تزداد قسوة مع استمرار الحرب وتداعياتها على الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم.





