معالجات اخبارية

خلافات “فتح” تخرج إلى العلن.. هل بدأت ترتيبات ما بعد محمود عباس داخل السلطة؟

أعادت تصريحات عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” جبريل الرجوب النقاش حول مرحلة ما بعد رئيس السلطة محمود عباس إلى الواجهة، بعدما تجاوزت الخلافات داخل الحركة حدود الاجتماعات التنظيمية لتصبح علنية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن مستقبل السلطة، وآلية انتقالها، وشكل النظام السياسي خلال المرحلة المقبلة.

ويأتي ذلك في ظل استمرار تعطّل المسار الانتخابي منذ أكثر من عقدين، وتزامنًا مع تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة تواجهها السلطة، ما يمنح أي خلافات داخل مراكز القرار أهمية إضافية، خاصة عندما تصدر عن قيادات في الصف الأول.

الانتخابات التشريعية

وأثار الرجوب جدلًا واسعًا عندما دعا إلى إجراء الانتخابات الرئاسية قبل الانتخابات التشريعية، معتبرًا أن النظام السياسي الفلسطيني يقوم على أساس رئاسي، كما شكك بإمكانية إجراء الانتخابات التشريعية في الظروف الحالية، داعيًا إلى التوافق على شخصية وطنية تتولى رئاسة السلطة، مع استمرار محمود عباس رئيسًا لمنظمة التحرير خلال مرحلة انتقالية.

كما أثارت تصريحاته بشأن خشية الرئيس من “حدوث انقلاب” داخل الحركة تفاعلًا واسعًا، إذ رأى فيها متابعون إشارة إلى حجم التباينات داخل مراكز القرار، في وقت تتزايد فيه النقاشات حول مستقبل السلطة بعد عباس.

وأعاد الرجوب كذلك ملف تأجيل انتخابات عام 2021 إلى الواجهة، واصفًا القرار بأنه “خطأ استراتيجي”، وهو ما أعاد طرح الأسئلة حول تأثير غياب الانتخابات على شرعية المؤسسات الفلسطينية، وعلى شكل المرحلة المقبلة.

المؤتمر الثامن ومحمود عباس

ورغم أن الخلافات داخل “فتح” ليست جديدة، فإن المؤتمر الثامن للحركة مثّل محطة بارزة في إعادة تشكيل موازين القوى داخلها.

فقد أعقبت المؤتمر تغييرات في عدد من المواقع القيادية، أبرزها تعيين حسين الشيخ نائبًا لرئيس الحركة، إلى جانب موقعه نائبًا لرئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وتكليف توفيق الطيراوي بمفوضية التعبئة والتنظيم، وهي خطوات اعتبرها مراقبون مؤشرًا على إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الحركة.

وتزامن ذلك مع مقاطعة جبريل الرجوب ومحمود العالول اجتماعات اللجنة المركزية، حيث وصف الرجوب مقاطعته بأنها احتجاج على آليات اتخاذ القرار، في خطوة عكست انتقال الخلافات من الإطار الداخلي إلى المجال العام.

ورغم غياب أي إعلان رسمي بشأن ترتيبات مرحلة ما بعد محمود عباس، يرى مراقبون أن هذا الملف بات حاضرًا في خلفية كثير من المواقف والتصريحات الصادرة عن قيادات حركة “فتح”، خاصة مع استمرار غياب آلية معلنة لانتقال السلطة.

وفي هذا السياق، تُقرأ دعوة الرجوب إلى تقديم الانتخابات الرئاسية على التشريعية باعتبارها تعكس رؤية مختلفة لإدارة المرحلة المقبلة، إذ يعتبر أصحاب هذا الطرح أن حسم موقع الرئاسة أولًا قد يحدد شكل بقية مؤسسات النظام السياسي، بينما يرى آخرون أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة تفعيل الحياة الديمقراطية عبر انتخابات شاملة.

كما تتحدث قراءات سياسية عن استمرار مشاورات وتحالفات داخل الحركة، في ظل سعي عدد من القيادات إلى تعزيز حضورها في أي ترتيبات مستقبلية، دون أن تبرز حتى الآن مؤشرات على توافق داخلي حول شكل المرحلة المقبلة.

أكثر من خلاف تنظيمي

ولا ينظر كثير من المتابعين إلى السجال الدائر باعتباره خلافًا تنظيميًا عابرًا، بل باعتباره انعكاسًا لنقاش أوسع حول آليات إدارة السلطة، ودور المؤسسات، وطبيعة صناعة القرار في مرحلة تتسم بغياب الانتخابات، وتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية.

وفي المقابل، ترى أوساط داخل الحركة أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها الأراضي الفلسطينية تفرض قدرًا أكبر من المركزية في اتخاذ القرار، وأن الحفاظ على تماسك مؤسسات السلطة يمثل أولوية في ظل التحديات الراهنة.

وتكشف التطورات الأخيرة أن النقاش داخل “فتح” لم يعد يقتصر على ترتيب المواقع التنظيمية، بل بات يمتد إلى شكل السلطة في السنوات المقبلة، وآليات انتقالها، وحدود دور المؤسسات في إدارة المرحلة القادمة.

وفي ظل استمرار الخلافات في الظهور إلى العلن، وغياب أي مسار واضح لإجراء الانتخابات أو إعلان ترتيبات انتقال السلطة، يبقى ملف ما بعد محمود عباس أحد أكثر الملفات حضورًا في المشهد السياسي الفلسطيني، حتى وإن لم يُطرح رسميًا على طاولة القرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى