تحقيق يتتبع خفايا انطلاقة منصة جسور نيوز وارتباطها الوثيق بالمخابرات الإسرائيلية

كشف تحقيق رقمي عن خفايا انطلاقة منصة جسور نيوز الممولة من دولة الإمارات وارتبطها الوثيق بجهاز المخابرات وآلة الدعاية الإسرائيلية والترويج لمشاريع التطبيع مع الاحتلال والأهم التحريض على فصائل المقاومة في فلسطين ولبنان.
وقال تحقيق لموقع إيكاد وهو أول موقع متخصص بأخبار وتحقيقات استخبارات المصادر المفتوحة في الوطن العربي، إن خطاب “جسور نيوز” يتسق -في كثير من جوانبه- مع خطاب الاحتلال الإسرائيلي، إذ تعيد إنتاج رواياته في الفضاء العربي، وتُسهم في تهيئة خطاب يطعن في صحفيي غزة، ويقدّم الاحتلال شريكًا محتملًا في إعادة تشكيل المشهد العربي.
وبحسب التحقيق فإن تاريخ 8 مارس/ آذار 2024 يمثل نقطة الانطلاق الرقمية الرسمية لمنصة جسور نيوز بصيغتها الإعلامية الراهنة، إذ سُجّل فيه نطاق الموقع الرسمي “JusoorNews.com” عبر شركة “GoDaddy”، باستضافة من خادم تابع لمنصة “Squarespace” في نيويورك.
وذكر التحقيق أنه بمراجعة صفحة “جسور نيوز” على الفيسبوك، اتضح أن اسمها تغير أربع مرات خلال السنوات الماضية، إذ تكشف بيانات الصفحة أنها أنشئت في 21 يونيو/ حزيران 2019 باسم “Arab Council for Regional Integration”، ثم تغيّر اسمها بعد خمسة أيام إلى “المجلس العربي للاندماج الإقليمي”.
وفي 10 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، تحوّلت إلى “المجلس العربي للتكامل الإقليمي”، قبل أن تستقر في 12 مارس/ آذار 2024 على الاسم الحالي.
وهو ما يعني أن ملكية صفحة “جسور نيوز” ظلت مملوكة للمجلس العربي للتكامل الإقليمي لمدة تناهز 5 سنوات، وهو ما يطرح سؤالًا حول هوية المجلس ، وأجندته وسياساته وارتباطاته، لا سيما وأن حساب المجلس على اليوتيوب لا يزال يحيل إلى صفحة “JusoorNews” على “فيسبوك”.
ما هو المجلس العربي للتكامل الإقليمي؟
يُعرّف المجلس نفسه بأنه مبادرة شعبية لكسر المقاطعة العربية للاحتلال الإسرائيلي، إذ يروج لـلسلام بين القواعد الشعبية العربية والإسرائيلية، بمعزل عن الموقف الرسمي العربي.
وقد أسسه المدعو المصري مصطفى الدسوقي عام 2019، وضم فيه عضويته أكثر من 30 عربيًا، وحظي بدعم اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة وأوروبا.
وفي عام 2020، تبنّى عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي كوري بوكر، وروب بورتمان مبادرة المجلس، وقدّما مشروع قانون يوفّر الحماية للعرب المنخرطين في “حوار” مع المجتمع الإسرائيلي.
كما حظي المشروع بدعم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو، ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير.
هديل عويس.. ارتباطات متعددة بالاحتلال الإسرائيلي
بتتبع سجل الإعلامية السورية هديل عويس رئيسية تحرير منصة جسور نيوز، تبين ارتباطها بعدد من المؤسسات الداعمة لإسرائيل في واشنطن؛ إذ إنها تشغل منصب مديرة برنامج التواصل العربي في معهد “جيمينا”، الذي يدعم شرعية الاحتلال الإسرائيلي ويصفه بأنه “الملاذ” ليهود الشرق الأوسط.
كما تم رصد تعاون هديل مع معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الذي تأسس عام 1985 بدعم من مؤسسة “أيباك” (AIPAC)، أحد أبرز مجموعات الضغط الداعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة.
ومن خلاله، نشرت عويس مقالات تدعو فيها السوريين واللبنانيين إلى إعادة النظر في تصوراتهم عن الاحتلال الإسرائيلي. وعبر مقال نشرته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” العبرية، دعت السوريين إلى التعامل مع الاحتلال كشريك محتمل في مستقبل سوريا.
هذا بالإضافة إلى زمالتها في مشروع “فيلوس”، منذ يناير/ كانون الثاني 2024، وهو منظمة أمريكية تروّج لتطبيع مسيحي مع الاحتلال الإسرائيلي على أساس ديني. كما تربطها علاقة عمل بـ “جويل روزنبرغ”، مستشار نتنياهو السابق، ورئيس تحرير منصتي (All Israel News) و(All Arab News).
وتقود عمليات البحث إلى علاقة عمل تربط هديل عويس بـ “مركز الاتصالات من أجل السلام”، الذي تأسس عام 2019 في نيويورك، ويرتبط بدوائر اللوبي الإسرائيلي الأمريكي “أيباك”.
ويرأس المركز جوزيف براود وهو يهودي أمريكي يرى أن التطبيع مع الاحتلال “ضرورة” للعالم العربي.
ويشغل الإسرائيلي مايكل ناحوم منصب الرئيس التنفيذي للعمليات. وفي مجلس الإدارة، يجلس دينيس روس، الدبلوماسي الأمريكي السابق وأحد أبرز الداعمين للاحتلال في المؤسسات الأمريكية، وتنقل “جسور نيوز” تصريحاته وتتبنّى أفكاره.
وداخل المركز يعمل أربعة عرب، أبرزهم هديل عويس، مديرة الاتصالات باللغة العربية، وزوجها عاهد الهندي، الخبير الاقتصادي وعضو في “المجلس العربي للتكامل الإقليمي”، الجهة الأم التي وُلدت من رحمها “جسور نيوز”.
ما أبرز الشخصيات التي تروج لها المنصة؟
رغم أن “جسور نيوز” تقدم نفسها كمساحة للحوار المفتوح، لكن محتواها يكشف نمطًا متكررًا من استضافة أصوات فلسطينية تتبنّى سرديات تُحمّل فصائل المقاومة مسؤولية ما يجري في غزة، وتُغيّب جرائم الاحتلال.
ومن أبرز هذه الوجوه قادة العصابات العميلة للاحتلال في غزة مثل الهالك ياسر أبو شباب والجاسوس الداعشي غسان الدهيني والجاسوس حسام الأسطل وغيرهم.
كما تبرز عدة أسماء في شبكة أفيخاي الإسرائيلية مثل المدعو أمجد أبو كوش، الذي وثق التحقيق انخراطه في شبكة إعلامية موالية للسلطة الفلسطينية تساهم في التحريض على الصحفيين في غزة، وتبنّيه باستمرار رواية “سوء إدارة المقاومة” وتحميلها المسؤولية.
هذا بالإضافة إلى عدد من مرتزقة شبكة أفيخاي الذين يتبنون ذات السرديات؛ مثل أمين عابد، ومصطفى كريرة، ومؤمن الناطور. واللافت أن عددًا من الحسابات الإسرائيلية -الرسمية أو شبه الرسمية- تعيد نشر عدد من مشاركات هؤلاء النشطاء في المنصة وتروج لها.
وبحسب التحقيق فإن القاسم المشترك بين هذه الشخصيات جميعًا هو توحد خطابها ضد المقاومة، وهو ما يتسق مع الرواية الإسرائيلية، التي تعيد تدوير هذه المشاركات عبر أذرعها الإعلامية؛ مثل المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي، وحساب “إسرائيل بالعربية”، ورئيسة مكتب الإعلام العربي “كابتن إيلا”، وكذلك إيدي كوهين.
ثلاث كتل مترابطة
دفع هذا الترابط أو التناسق بين الحسابات الإسرائيلية ومنصة جسور، التحقيق إلى تحليل شبكة التفاعلات حول المنصة من خلال أدوات التحليل الرقمي المتخصصة، فظهر ما يمكن القول إنه “تحالف رقمي” يتوزّع على ثلاث كتل، تدور كلها في فلك سردية واحدة.
تضم الكتلة البنفسجية حسابات كل من “جسور نيوز”، وهديل عويس، وأمجد أبو كوش، والإعلامي جويل روزنبرغ الذي يعتبر صلة وصل بين المنصة ودوائر اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.
في حين تشمل الكتلة البرتقالية حسابات كل من أفيخاي أدرعي، وإيدي كوهين، و”كابتن إيلا”، وحساب “إسرائيل بالعربية”، التي تعيد نشر محتوى المنصة بشكل متكرر.
وتضم الكتلة الخضراء وجوهًا فلسطينية مؤيدة للتطبيع؛ مثل مؤمن الناطور، وأحمد فؤاد الخطيب، وجون عزيز.
وبعد تحليل المضامين والرسائل التي تبثها “جسور نيوز”، تبين أنها جميعًا تخدم الهدف نفسه؛ وهو الترويج للتطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، وصرف اهتمام الجمهور العربي المتابع لها عن جرائمه.
ففي غزة، تسمي المنصة أحداث هجوم طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول بـ”لعنة الطوفان”، وتُحمّل المقاومة مسؤولية الجرائم الإسرائيلية. وخطابها في ذلك يتجاوز نقد الموقف السياسي إلى تضخيم أي حادث عرضي وتحويله إلى مادة دعائية ضد المقاومة، مع تغييب كامل لانتهاكات الاحتلال.
وفي الملف السوري، تنسج “جسور نيوز” خطابًا يُقدّم الاحتلال شريكًا محتملًا في مستقبل سوريا. كما أنها روّجت لفكرة تقسيم الجولان بين سوريا والاحتلال، واقترحت إمكانية “استئجار” الجزء السوري، ما يُشرعن ضمنيًا بقاء الاحتلال على الأرض السورية. وفي تغطية أخرى، طرحت مشروعًا لمدّ أنابيب من نهر الفرات إلى الاحتلال بوصفه “شرطًا للسلام”.







