%79 يريدون رحيل عباس و83% يرون فساداً.. كيف قرأت فتح الانهيار الشعبي؟

كشف تحليل نشره عضو المجلس الثوري لحركة فتح ياسر أبو بكر، بشأن نتائج استطلاع حديث للرأي العام الفلسطيني، عن حجم الأزمة التي تواجهها الحركة والسلطة الفلسطينية بفعل الانهيار الشعبي المتزايد، لكنه حاول في الوقت نفسه تقديم قراءة تمنح فتح مساحة أكبر من التفاؤل مما تسمح به الأرقام نفسها.
ويظهر الاستطلاع الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية لشهر أغسطس/آب 2026، تراجعاً حاداً في الثقة بالنظام السياسي الفلسطيني، إذ يؤيد 79% استقالة الرئيس محمود عباس، فيما يعتبر 65% سلطة رام الله عبئاً على الشعب الفلسطيني، ويرى 83% وجود فساد في مؤسساتها.
وبحسب الاستطلاع، تتساوى حركة فتح وحركة حماس في نسبة التأييد السياسي عند 24% لكل منهما، بينما تصل نسبة الفلسطينيين الذين لا يؤيدون أياً من الحركتين أو لا يحددون موقفا إلى 38%.
ويرى أبو بكر أن النتيجة الأهم تتمثل في أن تراجع حماس لم يتحول تلقائياً إلى ارتفاع في شعبية فتح، معتبراً أن ذلك يعكس ابتعاد جزء من الجمهور عن الثنائية التقليدية وبحثه عن قيادة جديدة أكثر قدرة على الإنجاز واستعادة الثقة.
لكن هذه القراءة تواجه سؤالاً أساسياً: لماذا يفترض تحليل فتح أن ابتعاد الجمهور عن الثنائية يعني بالضرورة بحثه عن بديل جديد، بدلاً من أن يكون جزء كبير منه قد فقد الثقة بفتح أيضاً؟.
فالأرقام التي يستند إليها التحليل لا تقدم دليلاً على أن المشكلة تكمن في أداء القيادة وحده، كما لا تتضمن، مؤشراً يقول إن الفلسطينيين يؤيدون مشروع فتح أو فكرتها السياسية لكنهم يعترضون فقط على قيادتها الحالية.
ويفتح ذلك الباب أمام قراءة أكثر قسوة للنتائج: إذا كان تراجع حماس لا يؤدي إلى صعود فتح، فقد يكون السبب ببساطة أن الجمهور لا يرى في حركة فتح بديلاً مقنعاً، وليس فقط أنه يبحث عن تجاوز الثنائية الحزبية.
بين فتح والسلطة.. فصل انتقائي
يحاول أبو بكر التمييز بين حركة فتح وسلطة رام الله، مشدداً على أن الحركة أوسع وأقدم من السلطة وأن مشروعها الأساسي يتمثل في إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني.
ويقول القيادي في فتح إن السلطة “مؤسسة يجب حمايتها وإصلاحها”، لكن هذا الطرح يواجه سؤالاً لا يجيب عنه التحليل: من يتحمل مسؤولية وصول السلطة إلى مرحلة يعتبر فيها 65% من الفلسطينيين أنها عبء، فيما يرى 83% أن الفساد موجود في مؤسساتها؟.
وتبدو محاولة الفصل بين فتح والسلطة انتقائية عندما تكون مؤشرات السلطة سلبية، ثم تعود العلاقة بين الطرفين إلى الواجهة عند الحديث عن المسؤولية الوطنية والقدرة على قيادة المشروع الفلسطيني.
وتصبح نسبة 79% المطالبة باستقالة الرئيس محمود عباس أكثر صعوبة في الاختزال باعتبارها مجرد “خلل يحتاج إلى مراجعة”، إذ تعكس النسبة أزمة ثقة واسعة في رأس النظام السياسي نفسه، وليس مجرد اعتراض على أداء إداري أو خلل تنظيمي داخل الحركة.
شعبية مروان البرغوثي لا تنقذ صورة فتح
استند أبو بكر كذلك إلى المكانة المتقدمة للأسير مروان البرغوثي في المزاج الشعبي، باعتبارها مؤشراً على أن رصيد فتح الوطني لا يزال أكبر من مستوى التأييد الحزبي المباشر للحركة.
لكن استخدام شعبية البرغوثي دليلاً على قوة فتح يظل موضع خلاف؛ إذ لا يثبت الاستطلاع بالضرورة أن شعبية البرغوثي ناتجة عن انتمائه التنظيمي أو أنها تنتقل تلقائياً إلى الحركة.
كما أن شعبية البرغوثي مرتبطة بشخصيته ورمزيته النضالية وموقفه من الاحتلال ولا علاقة لها بالمطلق بقيادة فتح الحالية وتوجهاتها، وبالتالي فإن تحويل شعبيته إلى دليل مباشر على قوة فتح الحالية يحتاج إلى إثبات غير موجود.
وفي تحليله، يرى أبو بكر أن فتح ليست أمام طريق مسدود، ويؤكد امتلاكها قاعدة واسعة وتجربة تاريخية وكوادر قادرة على النهوض، داعياً إلى تجديد صورتها وعلاقتها بالجمهور.
لكن المشكلة الأساسية في هذا الطرح أنه يعترف بأزمة الثقة ثم يقلل من دلالاتها السياسية. فالسؤال ليس ما إذا كانت فتح “ماتت” أو لا، وإنما لماذا لم يتحول تاريخ الحركة ورصيدها النضالي وخبرتها الطويلة إلى ثقة شعبية متناسبة معها؟.
وتكشف الأرقام أن حركة فتح، رغم تاريخها الطويل وهيمنتها على النظام السياسي الفلسطيني، لم تستطع الاستفادة من تراجع خصمها الأساسي لتحسين موقعها الشعبي، وهي نتيجة تستحق تفسيراً أعمق من الدعوة إلى “التجدد” و”الاقتراب من الناس”.
كما ينسب تحليل أبو بكر، إلى الجمهور تصوراً متكاملاً لاستراتيجية فلسطينية تقوم على المقاومة الشعبية والسياسية والقانونية والدبلوماسية وبناء التحالفات الدولية، بينما لا تعني الأرقام الواردة بالضرورة أن الجمهور اتفق على هذه الحزمة السياسية المتكاملة.
ويظهر التناقض الأبرز في محاولة تحويل الاستطلاع من إنذار سياسي إلى فرصة تفاؤل تنظيمية. فالمطلوب من فتح، قبل الحديث عن المستقبل، هو الإجابة عن سؤال الثقة: إذا كانت الحركة تملك التاريخ والخبرة والكوادر، فلماذا لم يتحول كل ذلك إلى ثقة شعبية؟.
وتشير النتائج إلى أن الجمهور الفلسطيني لا يبحث بالضرورة عن تبديل اسم فصيل باسم آخر، بل عن قيادة قادرة على ترجمة الحقوق الوطنية إلى نتائج سياسية، ومواجهة الاحتلال والاستيطان، ومكافحة الفساد، وإعادة بناء المؤسسات على أساس من المساءلة.
وبذلك، فإن أزمة فتح التي تعكسها نتائج الاستطلاع لا تبدو مجرد أزمة صورة أو خلل في الأداء التنظيمي، بل أزمة أعمق تتعلق بالعلاقة بين الحركة والجمهور، وبين الحركة والسلطة، وبين الخطاب الوطني والنتائج التي يلمسها الفلسطينيون في حياتهم اليومية.






