تحليلات واراء

انهيار شعبية فتح: حصيلة كارثية لنهج التسوية والتنسيق الأمني

تواجه قيادة حركة فتح التي تهيمن على سلطة رام الله ومنظمة التحرير أسئلة متزايدة بشأن حصيلة نهج التسوية والتنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، في ظل انهيار شعبية الحركة وفي وقت يشهد فيه المشروع الوطني الفلسطيني تحديات متزامنة، أبرزها الدمار الواسع في قطاع غزة، وتسارع الاستيطان في الضفة الغربية، وتصاعد الإجراءات الإسرائيلية في القدس المحتلة، واستمرار الانقسام الداخلي.

وتبرز هذه الأسئلة بصورة خاصة بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح، الذي وصفه الرئيس محمود عباس في مايو الماضي بأنه محطة لمراجعة المسار الفلسطيني وتطوير رؤية وطنية شاملة للمرحلة المقبلة.

وأكد عباس خلال المؤتمر تمسكه بتنفيذ الاتفاقيات الموقعة، ومحاسبة الحكومة الإسرائيلية على التوسع الاستيطاني، وفتح أفق سياسي لإنهاء الاحتلال.

وتبرز الانتقادات الموجهة إلى قيادة فتح حول الفجوة بين استمرار التمسك بالتسوية السياسية وبين التحولات الميدانية التي قلصت فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

إذ أن المفاوضات والتنسيق الأمني لم يوفرا حماية كافية للأراضي الفلسطينية أو يوقفا التوسع الاستيطاني، فيما تؤكد قيادة فتح أن العمل السياسي والدبلوماسي يظل وسيلة لإنهاء الاحتلال وانتزاع الاعتراف الدولي بالحقوق الفلسطينية.

وتكشف التطورات في الضفة الغربية حجم التحديات التي تواجه هذا التوجه. فقد وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين أسفرت عن إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، وطالت 275 تجمعاً فلسطينياً، بمعدل 6.7 هجمات يومياً، مقارنة بخمس هجمات يومياً خلال عام 2025.

وسجلت الأمم المتحدة أيضاً تهجير 147 فلسطينياً خلال أسبوع واحد في سبتمبر نتيجة عمليات هدم نفذتها السلطات الإسرائيلية، بينهم سكان تجمعات تقع قرب المنطقة المخصصة لمشروع الاستيطان المعروف باسم “إي 1″، الذي يثير مخاوف بشأن التواصل الجغرافي الفلسطيني بين القدس والضفة الغربية.

وفي قطاع غزة، تضع تداعيات حرب الإبادة الجماعية قيادة فتح وسلطة رام الله أمام تحديات تتجاوز إعادة الإعمار إلى مستقبل الإدارة والسيادة والتمثيل السياسي.

وأفادت الأمم المتحدة في سبتمبر بأن معظم سكان القطاع البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة ما زالوا نازحين، بينما تفرض القيود الإسرائيلية على الوصول إلى مناطق واسعة من غزة ظروفاً معيشية بالغة الصعوبة.

التنسيق الأمني المقدس

تتداخل التطورات شديدة المخاطر الحاصلة في الوضع الفلسطيني مع الجدل بشأن استمرار التنسيق الأمني بين سلطة رام الله والاحتلال الإسرائيلي، والذي يمثل أحد أكثر ملفات العلاقة بين الجانبين إثارة للخلاف الداخلي.

ذلك أن استمرار التنسيق الأمني في ظل الاقتحامات والاعتقالات والتوسع الاستيطاني يثير تساؤلات بشأن جدواه السياسية والأمنية، بينما تستند السلطة في موقفها إلى اعتبارات الحفاظ على الاستقرار ومنع انهيار المؤسسات الفلسطينية.

ويمتد الجدل إلى قدرة فتح على استعادة دورها في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية. فقد أضعف استمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة إمكانية بلورة موقف سياسي موحد، كما زادت الخلافات الداخلية بشأن التمثيل والانتخابات وتجديد المؤسسات من صعوبة الاستجابة للتحولات الراهنة.

وفي المقابل، تتمسك قيادة فتح بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وأن إنهاء الاحتلال يتطلب تحركاً سياسياً ودبلوماسياً يستند إلى القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة.

وقد دعا عباس خلال المؤتمر الثامن للحركة إلى تمكين دولة فلسطين من ممارسة دورها في غزة عبر مؤسساتها السيادية والخدمية، وإلى وقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية.

وتكشف المقارنة بين هذه المواقف والوقائع الميدانية عن اتساع التحديات التي تواجه قيادة فتح، خصوصاً في ظل استمرار التوسع الاستيطاني وتراجع الظروف اللازمة لتنفيذ حل الدولتين وهو ما يظهر جليا في التراجع الشديد في شعبية الحركة في أوساط الرأي العام الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى