مخاتير غزة في مواجهة الفوضى.. جهود متواصلة لإطفاء الخلافات وحماية السلم الأهلي

يواصل المخاتير والوجهاء ولجان الإصلاح العشائري في قطاع غزة أداء دور اجتماعي واسع في احتواء النزاعات العائلية وحماية السلم الأهلي، وسط تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة منذ نحو ثلاثة أعوام، وما رافقها من نزوح ودمار واستهداف قدرة المؤسسات الرسمية على تقديم خدماتها.
وبرز دور المخاتير في تسوية الخلافات ومنع تطورها إلى مواجهات بين العائلات، إلى جانب المشاركة في جهود الإغاثة وحماية المساعدات، وإعلان مواقف رافضة للجماعات المسلحة المتعاونة مع الجيش الإسرائيلي، في ظل جهود منع اتساع الفوضى والانقسامات داخل المجتمع الفلسطيني.
وكشفت بيانات الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح في غزة عن حجم النشاط الذي تضطلع به لجان الإصلاح، إذ أعلنت معالجة 1938 قضية خلال مايو 2026، و1295 قضية خلال يونيو، و1440 قضية خلال أغسطس.
وشملت القضايا مشاجرات وخلافات مالية ونزاعات على الأراضي وحوادث عائلية وجرائم قتل وسرقات.
وأظهرت هذه الجهود استمرار عمل منظومة الإصلاح العشائري رغم تدمير مقارها وصعوبة التنقل بين مناطق القطاع، حيث لجأ عدد من الوجهاء إلى استخدام الخيام والغرف المتنقلة لاستقبال شكاوى المواطنين وعقد جلسات المصالحة.
عمل ميداني بارز للمخاتير في غزة
وثق تقرير ميداني في مارس الماضي، عمل لجان الإصلاح من غرفة متنقلة وسط مدينة غزة، حيث واصل رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، علاء الدين العكلوك، استقبال الشكاوى والتنسيق مع المخاتير لإنهاء النزاعات، بما فيها قضايا القتل.
وأوضح العكلوك أن اللجان تعاملت خلال فبراير مع 1585 قضية، بينها 15 قضية قتل و48 سرقة و888 مشاجرة عائلية و190 نزاعاً مالياً. كما أعلن نجاح التجمع، منذ بداية الحرب، في حل 82 قضية قتل، شملت القتل العمد والخطأ وشبه العمد.
وشهدت مدينة غزة في فبراير الماضي مصالحة بين عائلتي بكر وجندية، برعاية الهيئة العليا لشؤون العشائر ومشاركة وجهاء ورجال إصلاح من مختلف محافظات القطاع، بعد جهود لتقريب وجهات النظر وإنهاء خلاف دموي بين العائلتين.
وتخللت مراسم الصلح مصافحات وعناق بين أفراد العائلتين، في نموذج للجهود التي يبذلها المخاتير لاحتواء النزاعات ومنع انتقالها إلى مواجهات أوسع، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية والأمنية التي خلفتها الحرب.
وامتد دور الوجهاء إلى المشاركة في معالجة التحديات الأمنية والاجتماعية الناجمة عن الحرب. وأشار تقرير بحثي لمركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن إلى تزايد الاعتماد على القيادات العائلية والمخاتير في تنسيق المساعدات الإنسانية وحمايتها، والتعاون مع الجهات الإغاثية واللجان المحلية في ظل تراجع عمل المؤسسات العامة.
نبذ مرتزقة العصابات العميلة
في مواجهة العصابات العميلة للاحتلال، أعلن وجهاء وأعيان قطاع غزة، عن نبذ أي عنصر ينتمي لتلك العصابات وأدانوا علنا تورطها في الاعتداء على المواطنين والتنكيل بهم.
وقد عزّز وجهاء العائلات والمخاتير في قطاع غزة مواقفهم الرافضة للعصابات العميلة من خلال إعلان نبذ المتورطين في التعاون معها ورفض توفير الغطاء العائلي أو العشائري لهم، في مسعى لحماية النسيج الاجتماعي ومنع استغلال الروابط العائلية في أنشطة تهدد الأمن الداخلي.
وشارك الوجهاء والمخاتير في فعاليات مجتمعية أعلنت رفض الاعتداءات على المواطنين، وأكدت ضرورة الفصل بين المسؤولية الفردية والانتماء العائلي، بما يحول دون تحميل العائلات تبعات أفعال بعض أفرادها من مرتزقة العصابات العميلة ومنعها من استغلال النزاعات العائلية لتوسيع نفوذها.
وأعلن التجمع الوطني للقبائل والعشائر الفلسطينية رفع الغطاء العشائري عن كل من يثبت تورطه في أعمال تهدد الأمن المجتمعي، مطالباً العائلات بتسليم المخالفين إلى الجهات المختصة.
كما أكد ممثلو العشائر خلال فعالية شمال غزة في أبريل أن المتورطين في التعاون مع الاحتلال لا يمثلون عائلاتهم، وأن مسؤولية أفعالهم تقع عليهم وحدهم.
وشدد المختار يحيى الكفارنة، في كلمة باسم العائلات والعشائر، على رفض أي سلوك يخدم الاحتلال، مع الدعوة إلى الحفاظ على السلم الأهلي ومعالجة الاتهامات ضمن الأطر القانونية، بعيداً عن الانتقام الفردي.
ويجمع هذا الموقف بين نبذ العصابات العميلة للاحتلال والحفاظ على دور المخاتير في الإصلاح ومنع امتداد الخلافات إلى المجتمع بأكمله.
وكانت وزارة الداخلية في غزة قد أشادت، في أكتوبر 2025، بمواقف العائلات والعشائر الرافضة للفوضى والتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، وبإعلانها رفع الغطاء العائلي والعشائري عمن يشاركون في أنشطة تستهدف السلم الأهلي، مؤكدة على استمرار التنسيق مع الوجهاء والمخاتير لاستعادة الأمن والنظام.
ويؤكد القائمون على لجان الإصلاح أن دورهم يقوم أساساً على الوساطة والتراضي، وليس الحلول محل القضاء أو الشرطة. وفي ظل استمرار النزوح واستهداف المؤسسات الحكومية، باتت هذه اللجان إحدى أبرز الوسائل المتاحة أمام المواطنين لمعالجة خلافاتهم، والحفاظ على العلاقات بين العائلات، والحد من احتمالات تحول النزاعات الفردية إلى مواجهات مجتمعية أوسع.





