فساد السلطة: تضارب صارخ بين المحاسبة والعفو يثير الغضب الشعبي

في حادثة أثارت موجة من الغضب والسخرية في الرأي العام، جرى منذ أيام توقيف مدير مدرسة في الضفة الغربية على خلفية شيك راجع بقيمة 1500 شيكل فقط، في حين يظل كبار المسؤولين الذين تورطوا في قضايا فساد ضخمة بعيدين عن المحاسبة وأي مساءلة قانونية حقيقية.
ويعكس هذا التناقض في تطبيق القانون تحت إدارة سلطة رام الله، أزمة ثقة حادة تجاه السلطة ويبرز فشلها في معالجة الفساد على نحو متساو وعادل.
وتقول المصادر إن مدير المدرسة، الذي لم يُكشف عن اسمه، كان على رأس عمله حين أُوقف بسبب الشيك المرتجع، وهو ما أثار استهجان المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال أحد المعلقين: “لو رواتب الموظفين كانت تُدفع كاملة، ما كان صار هيك. أي مجتمع هذا؟ أي حكومة ومنظومة؟” وذلك في تعبير عن شعور واسع بالاستياء من ازدواجية المعايير التي تطبقها السلطة.
وبينما يُسجن مدرس بسيط على مبلغ زهيد، يتابع فلسطينيون الأحداث المدوية المتعلقة بالفساد في مؤسسات الدولة دون أي عقاب فعلي.
فقد تم توثيق حالات عديدة في هيئة المعابر ووزارة المواصلات حيث تورط مسؤولون كبار في قضايا فساد مالي ضخمة، شملت اختلاس الأموال العامة والتلاعب بالعقود والمناقصات، لكنهم استمروا في وظائفهم أو حصلوا على تسويات مالية، رواتب تقاعدية، دون أن يقضوا ساعة واحدة في السجن.
وقد ساهمت هذه الفجوة بين تطبيق القانون على الصغار والحصانة التي يتمتع بها الكبار في إذكاء السخط الشعبي، وجعلت المواطنين يشككون في جدية السلطة في مكافحة الفساد، بحيث أصبح واضحًا أن القانون لا يُطبَّق على الجميع على قدم المساواة، بل يخضع للمنافع السياسية والامتيازات الشخصية.
كما أن مشكلة رواتب الموظفين المتأخرة تلعب دورًا مركزيًا في تفاقم الأزمة. فالمدرسين والموظفين في الضفة الغربية لا يتلقون رواتبهم كاملة منذ سنوات، ما يضاعف معاناتهم ويزيد من هشاشة النظام التعليمي والخدمات الحكومية الأساسية.
ويعكس ذلك إخفاق السلطة في إدارة الموارد العامة بكفاءة وضمان حقوق موظفيها، بينما تمنح التسويات المالية للمتورطين في الفساد فوائد مالية ضخمة دون مساءلة.
ويشير مراقبون إلى أن هذه السياسات تزيد من تآكل ثقة الجمهور في مؤسسات الدولة وتضعف مفهوم العدالة والمساءلة.
إذ لا يقتصر الضرر على الأفراد المتضررين، بل يمتد ليشمل صورة السلطة نفسها أمام المجتمع المحلي والدولي، ويؤثر على مصداقيتها في أي جهود إصلاحية مستقبلية.
ومن الناحية القانونية، يُعتبر هذا التناقض خرقًا صريحًا لمبدأ المساواة أمام القانون، وهو أحد أسس الدولة الحديثة. فالعدالة لا تتحقق عندما يُحاسب المواطن العادي على مخالفات مالية بسيطة بينما يُترك المسؤولون الكبار الذين استولوا على مئات الملايين دون محاسبة.
كما أن هذه المعاملة المزدوجة تشجع على المزيد من الفساد، وتخلق بيئة يشعر فيها المواطنون بالخذلان، كما تزرع شعورًا بالإحباط واليأس من أي تغيير إيجابي.
ويؤكد ناشطون ومعلقون فلسطينيون على وسائل التواصل الاجتماعي أن استمرار هذه الحالة يضر بالثقة العامة بالسلطة، ويضعف أي محاولات لإصلاح النظام الإداري أو المالي.
وأشار أحدهم: “مدرس يُسجن على 1500 شيكل بينما من سرق مئات الملايين يتمتع برواتب تقاعدية دون أي عقاب؟ أي دولة هذه؟ أي حكومة هذه؟”
في النهاية، تبدو السلطة أمام اختبار حقيقي لمدى جديتها في مكافحة الفساد وتحقيق العدالة، إذ أن استمرار مثل هذه التناقضات يهدد وحدة المجتمع الفلسطيني ويعزز استياء المواطنين.
ويتطلب الحل إعادة النظر في آليات الرقابة والمحاسبة، وضمان تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الفساد المالي والإداري، مهما كانت صفته أو موقعه السياسي.
وإذا لم تُصحح هذه السياسات، سيظل المواطن يشهد التناقض بين الخطابات الإصلاحية والواقع اليومي، بين القوانين المعلنة وبين الممارسات العملية، ما يهدد أسس الدولة ويُضعف أي جهود لبناء نظام عادل وشفاف.





