تحليلات واراء

رائد موسى يتحول إلى أداة رخيصة لتعميق الانقسام وخدمة سردية الاحتلال

في لحظة فلسطينية شديدة الحساسية، تتقدّم فيها الجهود الوطنية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتتشكل فيها لجنة وطنية لإدارة شؤون الحكم على قاعدة التوافق، تخرج بعض الأصوات المحسوبة زورًا على البحث الأكاديمي منها المدعو رائد موسى لتعمل بعكس الاتجاه تمامًا.

إذ تندرج تصريحات موسى الذي يقدم نفسه بصفة الباحث في العلوم السياسية والقانون الدولي، كجزء من خطاب تحريضي يعمّق الانقسام الداخلي ويعيد إنتاج رواية الاحتلال بلسان فلسطيني.

ورغم إعلان حركة حماس المتكرر استعدادها الكامل لتسليم الحكم، ودفعها الواضح نحو تشكيل لجنة إدارة وطنية من التكنوقراط، ورغم وجود مسار سياسي قيد التبلور لتجنيب الفلسطينيين مزيدًا من التآكل الداخلي، يصرّ رائد موسى على نفي أي نية حقيقية لدى الحركة، معتبرًا أن “ممارساتها على الأرض واستعراضاتها لا تعكس استعدادًا لتسليم زمام الأمور للجنة الإدارية المتفق عليها”.

هذه العبارة، التي يكررها في أكثر من منبر، لا تأتي معزولة عن سياقها، بل تتقاطع حرفيًا مع الخطاب الإسرائيلي الذي يسعى منذ سنوات إلى نزع الشرعية عن أي صيغة حكم فلسطينية لا تخضع لشروطه الأمنية والسياسية.

من هو رائد موسى ؟

يظهر النشاط الإعلامي للمدعو رائد موسى في المقابلات والمداخلات التحليلية على صفحات ومنابر مختلفة، لكنه ليس مرتبطًا بسجل أكاديمي موثق على منصات البحث العلمي العالمية (مثل Google Scholar أو مواقع جامعية رسمية).

وبحسب مراقبين فإن المشكلة في مواقف رائد موسى لا تكمن في الاختلاف السياسي، فالاختلاف حق مشروع، بل في المنهج الذي يتبناه الرجل المثير للجدل.

فهو لا يناقش تفاصيل الاتفاقات المطروحة، ولا يقدّم قراءة متوازنة للوقائع، ولا يعترف حتى بالحد الأدنى من التحولات السياسية الجارية، بل يذهب مباشرة إلى نزع النيات، والتشكيك في كل خطوة، وتقديم حماس باعتبارها كيانًا مراوغًا لا يفهم إلا لغة السيطرة بما يضع الوقود في نار الانقسام، ويمنح الاحتلال ذخيرة مجانية لتبرير سياساته.

الأخطر أن رائد موسى تحول إلى ضيف دائم على منصات إعلامية بعينها، أبرزها منصة “جسور نيوز”، حيث تُستخدم تصريحاته بشكل ممنهج للتحريض على المقاومة وتجريمها، وتقديمها كعقبة أمام “الاستقرار” و”الحوكمة”.

ويرى المراقبون أن هذا التكرار المنهجي لا يمكن فصله عن وظيفة سياسية واضحة: صناعة رأي عام فلسطيني مشكك بأي مشروع وطني لا يمر عبر البوابة الإسرائيلية – الأمريكية.

جسور نيوز ويكيبيديا

في كل ظهور، يحرص موسى على تجاهل حقيقة أن الاحتلال هو الطرف الوحيد الذي يعطّل أي انتقال سياسي حقيقي، وأنه يفرض بالقوة معادلات الحكم والاقتصاد والأمن.

وبدل توجيه النقد إلى جذور الأزمة، أي الاحتلال وآلياته، يختار الطريق الأسهل: تحميل المقاومة المسؤولية، وتصويرها كأنها أصل المشكلة لا نتيجة لها.

وهنا تتماهى تصريحاته بشكل فاضح مع خطاب المتحدثين العسكريين والسياسيين الإسرائيليين الذين يكررون المقولة ذاتها: “لا شريك فلسطيني يمكن الوثوق به”.

وليس صدفة أن يُوصف رائد موسى في أوساط سياسية وإعلامية بأنه جزء من “شبكة أفيخاي”، في إشارة إلى الخطاب الذي يتقاطع مع ما يروّجه الناطق باسم جيش الاحتلال، حتى وإن لم يكن ذلك بتنسيق مباشر.

فحين يُعاد إنتاج رواية الاحتلال بلغة عربية، وبمصطلحات “قانون دولي” و”علوم سياسية”، تصبح الخطورة مضاعفة، لأن التضليل هنا لا يأتي من خصم معلن، بل من شخص يُقدَّم كخبير وطني.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: ماذا يقول رائد موسى؟ بل: لمن يخدم هذا الخطاب؟ ومن المستفيد من تحويل النقاش الوطني إلى ساحة اتهامات وتحريض بدل أن يكون مساحة مساءلة سياسية حقيقية؟ الإجابة، مهما حاول البعض إنكارها، باتت واضحة في نتائج هذا الخطاب وتأثيره: مزيد من الانقسام، ومزيد من الشرخ، ومزيد من خدمة رواية الاحتلال على حساب المصلحة الوطنية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى