تحليلات واراء

السلطة الفلسطينية: تفكيك الدور تحت ضغط الإملاءات وتكريس تبعيتها للاحتلال

يجمع مراقبون على أن السلطة الفلسطينية تعاني من أزمة وظيفة تقوم على تفكيك الدور الوطني تحت ضغط الإملاءات الإسرائيلية والأمريكية وتكريس تبعيتها للاحتلال.

ويبرز الكاتب أسامة عثمان أن ما يجرى في الضفة الغربية يندرج في إطار مسار تفكيك متدرّج للدور السياسي للسلطة، يتم تحت عنوان “الإصلاح” و”الاستحقاقات الدولية”، بينما نتيجته الفعلية إفراغها من مضمونها الوطني وتحويلها إلى إدارة محلية تعمل داخل منظومة الاحتلال لا في مواجهتها.

ووفق عثمان، لا تعيش السلطة الفلسطينية أزمة مالية أو إدارية فحسب، بل أزمة وظيفة، في ظل توسع الاستيطان، وتسارع الضم الزاحف، وتفكيك المخيمات، وتهويد القدس، وتقليص خدمات الأونروا، من دون أن تمتلك السلطة أدوات تعطيل أو حتى إزعاج سياسي فعّال، وهو ما يعكس قبولاً ضمنياً بقواعد لعبة مفروضة من الخارج.

ويشير إلى أن الضغوط الأميركية والأوروبية والإسرائيلية لم تعد تقتصر على ضبط الأداء المالي أو الأمني، بل باتت تستهدف إعادة هندسة بنية السلطة نفسها، سياسياً وثقافياً ووظيفياً، بحيث تصبح متوافقة مع رؤية الاحتلال: سلطة بلا مقاومة، وبلا خطاب صدامي، وبلا رمزية نضالية.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

يقرأ عثمان مشهد إظهار مدينة رام الله كمركز استهلاك واستقرار، في وقت تُدمر فيه غزة، وتُجتاح المخيمات، وتُخنق القرى، مساهمة في إنتاج صورة بديلة للواقع الفلسطيني.

ويلفت إلى أن تقرير القناة الإسرائيلية عن “آيكون مول” في رام الله مؤخرا وجه رسالة بأنه يمكن للفلسطيني أن يعيش، ويتسوّق، ويستهلك، شرط أن يتخلى عن فكرة الصراع.

والخطورة، كما يوضح عثمان، أن هذا النموذج يُسوّق في ظل غياب خطاب رسمي فلسطيني مضاد. وحين يغيب الخطاب الوطني الجامع، تتحول المطالب الحياتية المؤقتة – فتح الحواجز، تسهيلات العمل، تخفيف القيود – إلى سقف سياسي بديل. هنا لا يعود السؤال عن إنهاء الاحتلال، بل عن تحسين شروط التعايش معه.

وتتجسد ذروة هذا التحول في قرار وقف رواتب الأسرى وأسر الشهداء. يرفض عثمان التعامل مع القرار كإجراء مالي أو إصلاح إداري.

وبحسب عثمان فإن القرار سياسي بامتياز، لأنه ينزع الصفة النضالية عن فئة شكّلت تاريخياً العمود الفقري للرواية الوطنية الفلسطينية وأن تحويل الأسرى والشهداء إلى “حالات اجتماعية” وفق معايير الفقر فقط، يعني عملياً إسقاط فكرة أن النضال ضد الاحتلال استحقاق وطني، لا عبء يجب التخلص منه.

إصلاحات السلطة الفلسطينية

يشدد عثمان على أن ملف رواتب الأسرى والشهداء يُعيد تعريف الصراع نفسه مع الاحتلال، من قضية تحرر إلى ملف إنساني، وهذا بالضبط ما يريده الاحتلال، وما تعمل عليه عواصم غربية منذ سنوات بتواطؤ من السلطة.

ويمتد هذا المسار، بحسب عثمان، إلى أخطر ساحاته: الوعي، حيث أن تغييرات المناهج التعليمية، تحت ضغط تهم “التحريض”، لا تُقرأ كإصلاح تربوي، بل كعملية تفريغ ممنهجة للذاكرة الوطنية.

إذ حين تُحذف مفردات المقاومة، ويُعاد توصيف النضال بوصفه عنفاً أو تطرفاً، لا تعود المسألة تعليمية، بل سياسية بامتياز.

ويرى عثمان أن السلطة ليست في موقع يمكّنها من فرض تعريفها الخاص لما هو “وطني” وما هو “تحريضي” باعتبار أن هذه المعايير تُفرض عليها من الاحتلال ومن داعميه، والقبول بها يعني التنازل عن آخر أدوات السيادة الرمزية.

وقد يجادل أنصار هذا المسار بأن هذه التنازلات ضرورية لحماية “الكيانية الفلسطينية” في لحظة دولية معادية، لكن عثمان يشدد على أن الكيانية لا تُحمى عبر تقليص الحقوق، ولا عبر فك الارتباط مع المجتمع، ولا عبر معاقبة الرموز التي صنعت هذه الكيانية أصلاً.

وبهذا الصدد يحذر من أن السلطة الفلسطينية تتحرك من موقع التمثيل إلى موقع الضبط، ومن منطق الصمود إلى منطق الإدارة، ومن الاشتباك السياسي إلى الامتثال الوظيفي وهو ما يجعلها أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للابتزاز، وأقل قدرة على الادعاء بأنها تمثل شعباً تحت احتلال.

في هذا المسار، قد تستمر السلطة شكلياً، وقد تحافظ على مؤسساتها ورواتبها، لكنها تخسر ما هو أخطر: معناها السياسي، وصلتها بشعبها، وقدرتها على الادعاء بأنها جزء من مشروع تحرر. وهذا، كما يحذّر عثمان، ليس مجرد انحراف مؤقت، بل مسار إذا اكتمل، سيعيد تعريف السلطة الفلسطينية من أداة نضال إلى إدارة بلا قضية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى