شبهات تطال وزراء ومسؤولين.. تحقيق يكشف ما جرى في معبر الكرامة

كشف تحقيق استقصائي صادر عن الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة – أمان عن سلسلة من الوقائع التي تثير شبهات فساد إداري واستغلال نفوذ في معبر الكرامة، تتعلق بتنظيم خدمات “النقل المميز (VIP)” ومنح الامتيازات لشركة واحدة دون منافسة أو أطر قانونية ناظمة.
فساد معبر الكرامة
ووفق التحقيق، كان معبر الكرامة يعمل قبل بدء ساعات الدوام الرسمية عبر مركبات خاصة لا تحمل لوحات عمومية، تنقل الركاب مقابل أجر.
وهذه المركبات تعود لشركة “المجد” التي حصلت على ترخيص من وزارة النقل والمواصلات الفلسطينية للعمل ضمن نظام خاص تحت مسمى “VIP”، رغم أن المادة 86 من قانون المرور لسنة 2000 تحظر صراحة تقاضي الأجرة مقابل السفر في مركبات خصوصية.
ويؤكد التحقيق أن نشاط الشركة لم يكن خاضعًا لأي نظام أو تعليمات نافذة، إذ مُنحت التراخيص دون إعلان أو منافسة، ودون آليات تضمن تكافؤ الفرص بين العاملين في قطاع النقل.
وهذا الواقع فجّر احتجاجات واسعة لنقابة عمال النقل، وصلت إلى إضرابات متكررة، قبل أن تقوم الوزارة بتجميد التراخيص مؤقتًا، ثم دخل الملف في حالة “سبات” مع تفشي جائحة كورونا عام 2020، دون معالجة قانونية حقيقية.
وزارة النقل وهيئة المعابر
وبحسب التحقيق، بدأت داخل وزارة النقل محاولات لإيجاد “مخرج” لما وُصف بأنه انتهاك فاضح للقانون، انتهت بتسوية مع نقابة السائقين ومحافظة أريحا، قامت على مبدأ “أقل الأضرار”.
وجرى منح مدير عام شركة المجد مجدي نصار تصاريح لخمس مركبات تحت مسمى “النقل المميز”، مع تحويلها إلى مركبات عمومية بلوحات خضراء، بشروط صارمة تمنع بيعها أو التنازل عنها، مقابل 2500 شيقل سنويًا لكل رخصة.
ورغم تسويق الخطوة كتصويب لوضع مخالف، إلا أن التحقيق يخلص إلى أنها شكّلت نقطة انطلاق لتوسع مربح عزز هيمنة شركة واحدة بدعم من نافذين داخل وزارة النقل وهيئة المعابر.
ما علاقة نظمي مهنا؟
وفي عام 2023، صدر قرار لتنظيم عمل “النقل المميز” في فلسطين، إلا أن التحقيق يشير إلى أن القرار جاء بعد سنوات من العمل المخالف، وبما يتلاءم مع الواقع المفروض فعليًا، دون فتح باب المنافسة أو الإعلان، لضمان استمرار عمل الشركة في أكثر النقاط حيوية.
كما كشف التحقيق عن مراسلة رسمية نهاية 2022 من مدير عام المعابر والحدود حينها نظمي مهنا إلى وزير النقل عاصم سالم، أشار فيها إلى موافقة إسرائيلية مشروطة بوجود شركة VIP إسرائيلية فقط، وهو ما جعل شركة “المجد” – باعتبارها مقدسية بترخيص إسرائيلي – الجهة الوحيدة المؤهلة، وفق شروط وصفها التحقيق بأنها تعجيزية ومصممة لشركة بعينها.
التفاف قانوني عبر “التأجير بسائق”
وفي عام 2024، تقدم نصار بطلب جديد للحصول على رخصة مكتب تكسي للعمل على المعابر، في محاولة للالتفاف على سقف الخمس مركبات. ورغم توقيع مذكرة تفاهم أولية، أدى وصول الملف إلى مجلس الوزراء إلى إلغاء الموافقة.
لاحقًا، مُنحت الشركة ترخيص تأجير مركبات سياحية بسائق، في خطوة وصفها التحقيق بأنها مناورة قانونية، جمعت بين مهنتين محظورتين على سجل تجاري واحد، خلافًا للقرار الوزاري (31/18/2020) الذي يمنع ترخيص أكثر من مهنة نقل على نفس السجل.
وبذلك أصبحت “المجد” تمتلك 5 مركبات عمومية، و12 مركبة تعمل تحت مسمى “التأجير بسائق”.
أرقام مالية تثير التساؤلات
وبحسب التحقيق، كانت المركبات الخمس تنفذ نحو 30 نقلة يوميًا، قبل أن يقفز العدد إلى نحو 120 نقلة بعد إدخال نظام التأجير بسائق.
وتتقاضى الشركة من المسافرين من رام الله إلى المعابر قرابة 300 دولار تشمل خدمات VIP، فيما تبلغ أجرة النقل وحدها 126 دولارًا، ما يعني عائدات يومية قد تصل إلى 15 ألف دولار وفق أعلى التقديرات.
وبعد تفجر قضايا الفساد المتعلقة بوزير النقل السابق طارق زعرب ونظمي مهنا، وتعيين عاهد بسيسو مسيرًا لأعمال الوزارة، صدر قرار بوقف العمل بنظام “التأجير بسائق” بعد خمسة أشهر فقط، وإيقاف 12 مركبة، مع الإبقاء على الخمس العمومية.
معبر الكرامة وخدمات VIP
ونفى مجدي نصار وجود أي شبهة فساد أو تقديم رشاوى، مؤكدًا استعداده للمساءلة القانونية، وكشف أن أحد أفراد عائلته أبلغه بدفع 50 ألف دولار لوزير النقل السابق مقابل ترخيص مكتب تكسي، كما أقر بتقديم تسهيلات سفر وخدمات VIP لبعض المسؤولين “على حساب الوزارة”، على حد تعبيره.
وأكد المستشار القانوني في “أمان” بلال البرغوثي أن الوقائع الواردة في التحقيق تشكل مخالفات صريحة للقوانين والسياسات الحكومية، وترقى إلى شبهة واسطة ومحسوبية ومحاباة وفق قانون مكافحة الفساد، وقد تمتد إلى شبهة رشوة في حال ثبوت وجود مقابل مادي أو معنوي.
وشدد البرغوثي على أن القضية لا تخص طرفًا واحدًا، بل تعكس تشابكًا بين وزارة النقل، وهيئة المعابر، وشركة خاصة، محذرًا من أن غياب الشفافية والإفصاح الرسمي يعمّق الشكوك ويغذي الانطباع بوجود “تزواج بين السلطة ورأس المال”.





