فضيحة بالأسماء والوقائع.. ما الذي أخفته السلطة في تعيين سفيرة العراق؟

يثير تعيين سمر عبد عوض الله سفيرةً لدولة فلسطين لدى العراق، جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، باعتباره اختبارًا جديدًا لمدى جدية السلطة في تنفيذ ما تصفه بإصلاحات مؤسساتية، خصوصًا تلك التي جرى الترويج لها في سياق ضغوط أوروبية وأميركية متزايدة.
وقدّمت سمر عبد عوض الله، في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، أوراق اعتمادها إلى الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد بصفتها سفيرًا مفوضًا فوق العادة، وهي رتبة دبلوماسية سامية في القانون الدولي، في خطوة سبقتها أشهر من التأجيل غير المعلن.
سفيرة العراق
وبحسب مصادر مطلعة على كواليس العمل الدبلوماسي، فإن اسم سمر عبد عوض الله كان مطروحًا لهذا المنصب منذ نحو خمسة أشهر، إلا أن صدور القرار تأخر على خلفية تغييرات داخلية شملت تنقلات عدد من السفراء، وإحالة آخرين إلى التقاعد، ما فتح باب التساؤلات حول آليات الاختيار وأولويات وزارة الخارجية.
وتشير المصادر إلى أن هذا التعيين لا يمكن فصله عن شبكة علاقات سياسية وعائلية، إذ يُنظر إليه على أنه جاء في سياق استرضاء زوجها، قيس عبد الكريم (أبو ليلى)، نائب الأمين العام السابق للجبهة الديمقراطية، الذي يحمل الجنسية العراقية ويتمتع بعلاقات جيدة داخل أطر منظمة التحرير.
وتعود جذور سفيرة العراق سمر عبد عوض الله الوظيفية إلى ثمانينيات القرن الماضي، حيث عملت في دوائر منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت مفرزة عن حزب الشعب في فترة كان والدها عضوًا في مكتبه السياسي.
ولاحقًا شغلت منصب مستشارة التواصل السياسي في وحدة دعم المفاوضات، وتحمل صفة “سفير” داخل أطر المنظمة.
“إصلاحات” السلطة
وفي هذا الإطار، قال القيادي الفتحاوي سميح خلف إن ما يُطرح تحت عنوان “إصلاحات” داخل السلطة الفلسطينية جاء في سياق ضغوط أوروبية وأميركية.
وأوضح أن هذه الإجراءات شملت تعيين 18 سيدة في مواقع مختلفة، من بينهن سيدة واحدة عُيّنت في العراق برتبة سفير مفوض فوق العادة، وهي رتبة سامية في القانون الدولي، إضافة إلى تعيين أربع قائمات بالأعمال.
وأشار خلف إلى أن عددًا من السيدات المعيَّنات هن زوجات أو بنات مسؤولين ومتنفذين في السلطة الفلسطينية.
كما أوضح أن ما سُمّي بإصلاحات تضمن تعديلات على قانون الانتخابات المحلية، بحيث تُلزم القوائم التي تضم 11 اسمًا بوجود ثلاث سيدات، والقوائم التي تضم 15 اسمًا بوجود أربع سيدات.
وأضاف أن تعديلًا آخر أُدخل على قانون الانتخابات البلدية، ينص على إلزام كل مرشح بتقديم إقرار خطي يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا، ويقرّ ببرنامجها والاتفاقيات الدولية وقرارات الشرعية الدولية، والالتزامات المترتبة على السلطة الفلسطينية.
وبيّن خلف أن هذه التعديلات شملت أيضًا فرض رسم مالي على كل مرشح بقيمة 1000 دينار، لا يُسترد في حال قبول الترشح.
توريث المناصب في السلطة
ويزداد الجدل حول تعيين سمر عبد عوض الله مع الحديث عن حضور عائلي واسع في مواقع القرار داخل السلطة، إذ يشغل شقيقها عمر عوض الله منصب وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، وهي الجهة التي تشرف قانونيًا على شؤون التعيين والتنقلات الدبلوماسية.
كما شغل شقيقها الآخر عوف عوض الله منصب مدير عام الإعلام في مجلس الوزراء خلال حكومة محمد اشتية، قبل أن يخرج من منصبه على خلفية قضية فساد، في حين تولت شقيقتها سهى عوض الله مناصب إدارية رفيعة، كان آخرها منصب أمين عام للصناعات في الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية.
وشغلت سيلفيا أحمد أبو لبن (خاروف) سفيرةً للسلطة لدى البوسنة والهرسك، وهي شقيقة زوجة السفير عمر عوض الله.
الفساد داخل السلطة
ويرى مطلعون أن تعيين سفيرة في ظل وجود شقيقها في موقع إشرافي داخل وزارة الخارجية يفتح بابًا واسعًا لشبهة تضارب المصالح، خصوصًا أن المادة (3) من قانون السلك الدبلوماسي تُحمّل الوزارة مسؤولية الإشراف على جميع البعثات سياسيًا وإداريًا وماليًا، بما في ذلك التعيينات والتنقلات وفقًا للقانون.
وتتضاعف علامات الاستفهام مع عدم نشر قرار التعيين في الجريدة الرسمية “الوقائع الفلسطينية”، خلافًا للأعراف القانونية والتنظيمية المعمول بها، وهو ما يعزز الشكوك حول غياب الشفافية وضعف آليات المساءلة والرقابة.
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة سؤالًا أوسع حول حقيقة “الإصلاحات” التي يُجرى الترويج لها رسميًا، في ظل استمرار تعيينات وتعديلات قانونية تُثير جدلًا واسعًا حول أهدافها السياسية، وما إذا كانت تمثل مسارًا لإعادة إنتاج النفوذ داخل الدوائر ذاتها، وتدويره بين أسماء وعائلات بعينها، بدلًا من إرساء إصلاح مؤسساتي حقيقي طال انتظاره.





