حوار في نيويورك وقطيعة في الداخل: السلطة تواصل التفاوض رغم حرب الإبادة وضمّ الضفة

تستعد المملكة المتحدة لعقد اجتماع في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يجمع مسؤولين من دولة الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية وذلك رغم حرب الإبادة المستمرة على غزة والبدء الرسمي في ضم الضفة الغربية المحتلة.
ويعد الحوار المباشرة بين السلطة ودولة الاحتلال الذي ستترأسه وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الأول من نوعه منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023.
ويعيد الاجتماع، الذي يُروَّج له كجزء من جهود إحياء مسار سياسي، إلى الواجهة سؤالًا مركزيًا: لماذا تُصرّ السلطة الفلسطينية على استمرار الحوار والتنسيق مع دولة الاحتلال، فيما ترفض أي حوار وطني فلسطيني داخلي جامع، في ذروة حرب إبادة وضمّ متسارع للضفة الغربية؟.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
بحسب مصادر دبلوماسية، يهدف الاجتماع إلى دفع تنفيذ بنود من خطة السلام الأمريكية الخاصة بغزة، بما في ذلك ترتيبات “اليوم التالي” وإدارة القطاع، والتأكيد على تعاون دولي لمعالجة الوضع في الضفة.
غير أن انعقاد هذا اللقاء في هذا التوقيت يثير انتقادات واسعة داخل الأوساط الفلسطينية، التي ترى فيه استمرارًا لنهج سياسي منفصل عن الواقع الميداني، حيث تُقصف غزة بلا توقف، وتتوسع المستوطنات، وتُفرض وقائع الضم بالقوة في الضفة.
واللافت أن السلطة الفلسطينية، التي تشارك في هذا المسار الدولي، لا تزال تُبقي قنوات التنسيق السياسي والأمني مفتوحة مع دولة الاحتلال، رغم سقوط عشرات آلاف الضحايا في غزة، ورغم إجراءات إسرائيلية متصاعدة لتكريس السيطرة على الأرض في الضفة الغربية، من خلال توسيع صلاحيات الإدارة المدنية، وتسهيل الاستيطان، ومصادرة الأراضي.
في المقابل، تُغلق السلطة الباب أمام أي حوار وطني فلسطيني شامل، وتتعامل مع الدعوات إلى وحدة الصف باعتبارها “غير ناضجة” أو “غير ممكنة”.
السلطة وازدواجية المعايير السياسية
يبرز مراقبون أن المشكلة لم تعد في عقد اجتماع دولي من عدمه، بل في ازدواجية المعايير السياسية التي تحكم سلوك السلطة: حوار دائم مع الاحتلال، وصمت أو قطيعة مع القوى الفلسطينية الأخرى.
ويشير هؤلاء إلى أن السلطة لم تُقدِم منذ سنوات على عقد مؤتمر وطني جامع، أو إعادة بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية، أو حتى فتح نقاش داخلي جاد حول استراتيجية مواجهة الإبادة والضمّ، مكتفية بإدارة الأزمة عبر قنوات خارجية.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيدًا غير مسبوق: اقتحامات يومية، اعتقالات واسعة، توسع استيطاني، ونقل صلاحيات مدنية وأمنية إلى وزراء إسرائيليين يدفعون علنًا نحو الضم.
ورغم ذلك، لم تُعلّق السلطة التنسيق، ولم تُراجع خياراتها السياسية، بل تواصل الرهان على مسار تفاوضي أثبت، بحسب منتقديها، عجزه عن حماية الأرض أو السكان.
أما على صعيد غزة، فيرى مراقبون أن مشاركة السلطة في اجتماعات دولية حول “إدارة ما بعد الحرب” من دون امتلاك قرار وطني جامع، ومن دون إنهاء الانقسام، تُكرّس واقعًا تُدار فيه القضية الفلسطينية من فوق رؤوس الفلسطينيين أنفسهم.
ويضيفون أن أي حديث عن ترتيبات سياسية أو إدارية في غزة، فيما تستمر الإبادة ويُمنع إدخال المساعدات ويُحاصر القطاع، يبدو أقرب إلى إدارة للأزمة لا إلى حلّها.
وتتعمق المفارقة حين يُقارن هذا الانفتاح الخارجي بانسداد الأفق الداخلي. فبينما تُبدي السلطة مرونة لافتة في المشاركة بحوارات ترعاها عواصم غربية، تُبدي تشددًا حادًا إزاء حوار فلسطيني–فلسطيني، حتى على قاعدة الحد الأدنى من التوافق الوطني.
وفي لندن ونيويورك، يُقدَّم الاجتماع على أنه “فرصة لإعادة إطلاق السياسة”. لكن في رام الله وغزة، يُنظر إليه كحلقة جديدة في سلسلة لقاءات لم تُوقف حربًا، ولم تمنع ضمًا، ولم تُنهِ انقسامًا.
وبينما ترفع العواصم شعارات “الحوار” و“الاستقرار”، يبقى السؤال الفلسطيني الأهم بلا إجابة: كيف يمكن الحديث عن سلام أو إدارة أو إعادة إعمار، فيما يُستبعد الفلسطينيون أنفسهم من قرارهم الوطني، وتُدار قضيتهم عبر تنسيق مع من يواصل قتلهم ومصادرة أرضهم؟.





