تطبيع النظام السوري مع إسرائيل: مقايضة الأمن بالسيادة وتجاهل القضية الفلسطينية

تشير مؤشرات سياسية متسارعة إلى انخراط النظام السوري في مسار تطبيع أمني واقتصادي مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، يجري تسويقه بوصفه مدخلًا لـ«الاستقرار»، فيما يراه مراقبون مقايضة عالية الكلفة تُدفع من السيادة والقرار الوطني، وتأتي على حساب القضية الفلسطينية التي جرى تغييبها كليًا عن أي التزامات أو اشتراطات.
وبحسب مراقبين يحمل هذا المسار السوري من التطبيع، وإن لم يُعلن بعد كاتفاق سياسي رسمي لإقامة علاقات رسمية مع دولة الاحتلال، عناصره العملية الأولى، ويكشف انقلابًا في الأولويات والمعايير لدى دمشق.
فالبيان الثلاثي الذي أعقب اجتماعات باريس في 6 يناير/كانون الثاني الجاري بين الولايات المتحدة وسورية ودولة الاحتلال وفر الإطار الأوضح لهذا التحول.
إذ أنه نص على «إنشاء آلية تنسيق مشتركة» تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، و«الفرص التجارية» تحت إشراف أميركي.
التطبيع السوري الإسرائيلي ويكيبيديا
رغم محاولة إضفاء طابع تقني على الصيغة، فإن إدراج الانخراط الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي بين دمشق وتل أبيب دون أي معالجة لجوهر الصراع—الاحتلال والوجود الإسرائيلي في الأراضي السورية—يعكس استعدادًا سوريًا للانتقال إلى تطبيع مرحلي يتجاوز الأمن إلى السياسة والاقتصاد.
واللافت أن البيان تجاهل تمامًا قضايا الحل النهائي: الجولان المحتل، التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، والالتزامات الإسرائيلية تجاه السيادة السورية.
فقد اكتفى النص بتأكيد أميركي عام على «السلام الدائم في الشرق الأوسط»، وهو تعبير فضفاض طالما استُخدم لتغطية وقائع ميدانية تكرس الاحتلال بدل إنهائه، في المقابل، لم تُذكر أي ضمانات متبادلة، ولا أي جدول زمني، ولا أي التزام بانسحاب أو وقف اعتداءات.
ويقلب هذا الترتيب منطق السياسة رأسًا على عقب، حيث في الأعراف الدولية، تُبنى الترتيبات الأمنية بعد معالجة جذور التهديد، أما هنا، فتقدم دمشق تنازلات سياسية واقتصادية مسبقة للحصول على «هدوء» أمني مؤقت من دولة تحتل أرضها وتواصل توغلاتها في معادلة ولاء مقابل ثقة، بلا ضامن حيادي، وبلا مقابل سيادي.
التطبيع العربي الإسرائيلي
يعزز هذا الاستنتاج ما كشفته وقائع التمثيل والتصرفات اللاحقة، حيث شارك الوفد السوري في باريس بتمثيل رفيع (وزير الخارجية ورئيس الاستخبارات)، مقابل تمثيل إسرائيلي أقل مستوى.
ومع ذلك، لم تُترجم الاجتماعات إلى كبح السلوك الإسرائيلي على الأرض؛ بل استمرت التوغلات وتعزيز نقاط السيطرة في الجنوب قبل الاجتماعات وبعدها، مع رفع سقف المطالب الإسرائيلية: الاحتفاظ بالجولان، عدم الانسحاب من نقاط ما بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، إنشاء منطقة عازلة واسعة بنماذج نزع سلاح وحظر جوي وتدخل عسكري عند «الضرورة»، فضلًا عن توظيف ملفات داخلية حساسة.
في هذا السياق، يتضح دور الولايات المتحدة كراعٍ منحاز. فالضغوط الأميركية ركزت على إقناع دمشق بخطوات «بناء ثقة» تتجاوز الأمن، بينما اقتصر الضغط على إسرائيل بقبول إطار تفاوضي غامض.
والنتيجة لكل ذلك فرض مسار أحادي الكلفة، تُقدم فيه سورية ما يُطلب منها، فيما تبقى إسرائيل بلا التزامات مكتوبة.
الأخطر أن هذا المسار يجري بمعزل عن أي اعتبار للقضية الفلسطينية. فالتطبيع الجاري، ولو بصيغته المرحلية، يساهم عمليًا في إخراج سورية من دورها التاريخي تجاه فلسطين، وتحويلها إلى ساحة أمان لإسرائيل.
والتجربة العربية منذ 1990 واضحة حيث الانخراط في مسارات «سلام» غير مشروطة لم ينتج دولة فلسطينية ولا حقوقًا، بل كرس الاستيطان وقضى على آمال الوحدة الوطنية الفلسطينية.
ويرى المراقبون أن تجاهل دمشق لهذه الخبرة التاريخية ليس خطأ تقدير فحسب، بل تخلٍ سياسي وأخلاقي.
وقد يروج المدافعون عن المسار الحالي لبراغماتية تفرضها ضرورات الداخل وإعادة البناء وتحييد التهديد الإسرائيلي مؤقتًا.
لكن الوقائع تشير إلى أن دولة الاحتلال لا توقف تدخلاتها إلا بعد تحقيق مبتغاها الاستراتيجي الكامل، وهو ما سيكون حتمًا على حساب المصالح الوطنية السورية، لا سيما مع غياب أي ضمانات. أما على المستوى الأخلاقي، فإن ثمن تهميش فلسطين—تاريخًا ونضالًا—لا يُعوض باستقرار هش.
وبحسب المراقبين فإن المطلوب ترميم الداخل، توسيع العمق العربي، وتدويل ملف الاحتلال بمرجعيات واضحة، لا القفز إلى تطبيع بلا مقابل فيما دون ذلك، يتحول «الاستقرار» الموعود إلى ارتهان طويل الأمد، وتتحول فلسطين إلى بند مُهمَل في صفقة أمنية قصيرة النظر.





