معالجات اخبارية

“أزمة الرواتب” تضع السلطة الفلسطينية أمام شبح الانفجار الشعبي

تصاعدت حدة التحذيرات الوطنية والشعبية من اقتراب الشارع الفلسطيني من نقطة “الانفجار الاجتماعي” الشامل، على خلفية ما وُصف بـ“مجزرة الرواتب” التي تنتهجها السلطة الفلسطينية بحق عوائل الشهداء والأسرى والجرحى.

وتأتي هذه التطورات في ظل مسيرات احتجاجية غاضبة عمّت مدن الضفة الغربية، وامتد صداها إلى قطاع غزة، رافضة تحويل أصحاب التضحيات إلى “حالات اجتماعية” تُدار بمنطق الإغاثة، وتجريد قضيتهم من بعدها السياسي والوطني.

وفي الأيام الأخيرة، بدا المشهد الميداني أكثر توتراً، مع اتساع رقعة الاحتجاجات وتزايد حدّة الخطاب الشعبي، في مؤشر واضح على تآكل الثقة بين الشارع والسلطة.

واعتبر المحتجون أن ما يجري يعبر عن خيار سياسي يعيد تعريف العلاقة بين السلطة وأحد أعمدة المشروع الوطني الفلسطيني ويمثل ارتهانا كاملا للضغوط الإسرائيلية والأمريكية.

تحذيرات من “انفجار اجتماعي” وشيك

أطلق علاء البراوي، المتحدث باسم اللجنة الوطنية لعوائل الشهداء والجرحى، تحذيراً صريحاً من مآلات القرارات الأخيرة، مؤكداً أن الاستمرار في قطع المخصصات سيقود حتماً إلى صدام مباشر مع السلطة.

ووصف البراوي هذه القرارات بأنها “تنكر علني وصريح” لدماء الشهداء ومعاناة الأسرى والجرحى، معتبراً أن ما يحدث يشكل عملية ممنهجة لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها النضالي وتحويلها إلى ملف إنساني بحت، منزوع الدلالة السياسية.

وتتجسد الأزمة في عدة مظاهر خطيرة: توقف شبه كامل لصرف المخصصات منذ أكثر من شهرين، ما فاقم الأوضاع المعيشية لآلاف العائلات؛ مع صرف مبالغ رمزية في بعض مناطق الضفة لا تتجاوز 200 شيقل، وُصفت بأنها “إمعان في الإذلال”؛ إضافة إلى تغييب قطاع غزة عملياً عن آخر عمليات الصرف، رغم ما يعيشه من حرب وحصار وانهيار اقتصادي شامل.

وقد استحضر البراوي وعدد من القيادات الوطنية البعد التاريخي لهذه القضية، مؤكدين أن رعاية عوائل الشهداء والأسرى كانت في صلب نشأة الحركة الوطنية الفلسطينية، وأن أحد أسباب تأخر الإعلان عن منظمة التحرير الفلسطينية في بداياتها ارتبط بالسعي لإيجاد إطار قانوني ومؤسساتي يضمن حقوق هذه الفئات.

وبحسب هذا الطرح، فإن المساس بالمخصصات لا يعني فقط خفض إنفاق، بل يمثل مساساً مباشراً بجوهر المشروع الوطني وبعقد أخلاقي تشكّل عبر عقود من النضال.

انتقادات لاذعة لمؤسسة “تمكين”

في موازاة ذلك، تصاعدت الانتقادات الحادة لإدارة هذا الملف عبر مؤسسة “تمكين” (المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي).

واعتبر معارضو هذه الآلية أن نقل ملف عوائل الشهداء والأسرى إلى مؤسسة ذات طابع “اجتماعي-اقتصادي” يعكس توجهاً خطيراً لإعادة تعريف الحقوق الوطنية كمنح مشروطة بمعايير الفقر والاحتياج.

وتركزت الاعتراضات على عدة نقاط أساسية، أبرزها رفض إخضاع مخصصات النضال الوطني لمعايير الإغاثة الاجتماعية، وانتقاد رئاسة أحمد مجدلاني لمجلس أمناء المؤسسة، في ظل اتهامات بغياب “الرصيد الوطني” الذي يؤهله لإدارة ملف سيادي شديد الحساسية.

كما تتصاعد الاتهامات للسلطة بالاستجابة لضغوط وإملاءات خارجية، لا سيما أمريكية وإسرائيلية، تهدف إلى تجريم النضال الفلسطيني وقطع الصلة بين الفعل المقاوم وحقوق ذويه.

غليان في الشارع وفقدان ثقة

ميدانياً، لم تنجح البيانات الرسمية التي تتحدث عن “إصلاحات” و“إعادة هيكلة” في تهدئة الغضب.

فقد شهدت مدن نابلس وطولكرم ورام الله وقفات احتجاجية حاشدة، رُفعت خلالها شعارات تؤكد أن كرامة عوائل الشهداء والأسرى ليست بنداً مالياً قابلاً للتفاوض.

ويرى مراقبون أن السلطة الفلسطينية تقف اليوم أمام اختبار سياسي وأخلاقي بالغ الخطورة، إما التراجع عن هذه السياسات وإعادة الاعتبار للبعد الوطني لمخصصات الشهداء والأسرى، أو المضي في مسار يهدد بتفجير مواجهة داخلية ذات تداعيات غير محسوبة، في لحظة هي الأشد حساسية في تاريخ القضية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى