تحليلات واراء

“مكافحة الفساد” أم تقاسم المسروقات؟.. كيف تُدار الملفات داخل سلطة رام الله

قال الكاتب السياسي محمد دلباح إن آخر التطورات الصادرة عن سلطة الحكم الذاتي المحدود في رام الله، والمتعلقة بما يُسمّى «مكافحة الفساد»، أظهرت أن قضية الفساد أصبحت فجأة القضية الأساسية المطروحة، بدلًا من مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وما يرتكبه في الضفة الغربية.

وأوضح أن آخر هذه التطورات تمثّل في قيام السلطة الفلسطينية، تحت مسمى «دولة فلسطين»، بتقديم مذكرة رسمية إلى منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، تطالب فيها بإصدار مذكرة توقيف بحق السفير الفلسطيني السابق في لبنان، أشرف دبور.

وأضاف أن الطلب أُرفق بمسبباته، والمتمثلة في توجيه تهم إلى أشرف دبور، وفق ما ذكره موقع المدن الإخباري، وتشمل هذه التهم الفساد، والكسب غير المشروع، وغسل الأموال، وخيانة الأمانة.

وأشار إلى أن الإنتربول عمّم ما يُعرف بـ«النشرة الحمراء»، والتي صدرت بتاريخ الثاني من كانون الثاني/يناير 2026، ودعت إلى البحث عن مكان وجود أشرف دبور.

وتابع دلباح أن أشرف دبور غادر لبنان بشكل مباشر، بعد أن قام بإخفاء أمواله، إضافة إلى الأموال التي قال إنه استولى عليها من خلال عمله مع ياسر عباس، نجل رئيس السلطة محمود عباس، والمتعلقة ببيع ممتلكات منظمة التحرير الفلسطينية.

وبيّن أنه عندما بدأ أشرف دبور بالعمل لحسابه الخاص، من دون علم ياسر عباس، نشب خلاف حاد بين الطرفين، ما دفع ياسر عباس إلى مطالبة والده بعزله من منصبه كسفير. وعلى إثر ذلك، جرى تعيين شخص آخر من المحسوبين على الدائرة نفسها، وهو محمد مصطفى الأسعد.

فساد السلطة في رام الله

وأضاف أن الهدف من ملاحقته، في حال تمت، هو محاولة استرجاع جزء من الأموال التي جرى الاستيلاء عليها وتقاسمها.

وأشار إلى أن أشرف دبور توجّه إلى بريطانيا، مع تداول معلومات تفيد بوجوده حاليًا في إسبانيا، دون تأكيد رسمي.

ولفت دلباح إلى أن أخبار «مكافحة الفساد» بدأت تتوسع، في وقت لم تُغلق فيه بعد ملفات أخرى، من بينها قضية رئيس سلطة المعابر، نظمي مهنا، الذي يشغل منصبه منذ نحو عشرين عامًا، واتُّهم بجمع عشرات الملايين من الدولارات، واستثمارها في مؤسسات وشركات تجارية خارج فلسطين، في دول أوروبية متعددة.

وأوضح أن السلطة أعلنت أيضًا وقف عمل وملاحقة نحو 14 موظفًا في وزارة المالية وسلطة المعابر.

وأشار إلى أن هذه الأخبار بدأت تنتشر بكثافة، رغم أن محمود عباس هو رأس السلطة، وهو رأس الفساد فيها، وأن أبناءه مستفيدون من وكالات تجارية وأعمال مالية غير مشروعة، إضافة إلى المحيطين به من المسؤولين والمتنفذين.

وأضاف أن «كل الجماعة المتحلقين حوله في السلطة، سواء حسين الشيخ أو ماجد فرج أو أقاربهم أو روحي فتوح، هم جزء من هذه المنظومة»، متحدثًا عن «تعيينات من هبّ ودبّ، بلا مؤهلات ولا كفاءة، فقط لأن فلان قرر تعيينهم، فيُعيَّن سفير، وكل يوم سفير جديد والسفير مستفيد».

وتابع أن تصاعد الحديث عن «مكافحة الفساد» تزامن مع تعيين حسين الشيخ نائبًا لرئيس السلطة ونائبًا لرئيس دولة فلسطين، قائلًا إن الشيخ «أصبح الكل في الكل»، بينما «محمود عباس يقيم في عمّان، في حي عبدون، مرتاحًا، وترك إدارة الأمور لحسين الشيخ».

وأضاف دلباح أن حسين الشيخ «هو الخيار الإسرائيلي والأمريكي، وحتى خيار بعض الأنظمة العربية»، معتبرًا أن ما يجري هو «محاولة لإظهار جدية في مكافحة الفساد والإصلاح، في حين أن النهب مستمر».

وفي المقابل، قال دلباح إن الضفة الغربية تتعرض لهجمة إسرائيلية واسعة، تشمل تدمير المخيمات، وقطع أوصال المناطق، وتدمير المنازل، وتنفيذ عمليات اعتقال وقتل في الشوارع، خصوصًا في مخيمات جنين، ونور شمس، وطولكرم، والفارعة.

وأكد أن السلطة لا تقوم بأي تحرك في مواجهة الاحتلال، ولا تتحرك أجهزتها الأمنية، مكتفية بالصمت، في حين تتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين.

مكافحة الفساد في السلطة

وقال دلباح «كيف تتمّ مسألة مكافحة الفساد داخل السلطة»، موضحًا أن هذا الأسلوب ليس جديدًا، مشيراً إلى أن محمود عباس سبق أن اختلف مع محمد دحلان، عضو اللجنة المركزية السابق، كما اختلف مع شريكه محمد رشيد، المعروف باسم خالد سلام، الذي كان يترأس صندوق الاستثمار الفلسطيني.

وأضاف أن أموال صندوق الاستثمار الفلسطيني «كانت مسجلة باسم محمد رشيد»، لافتًا إلى أن الوضع لم يتغير، وأن أموال الصندوق «مسجلة اليوم أيضًا باسم محمد مصطفى».

وتابع أن الخلاف السياسي دفع محمود عباس إلى تقديم مذكرة إلى الإنتربول للمطالبة بالقبض على خالد سلام، بالتهم نفسها الموجهة اليوم إلى أشرف دبور، وتشمل خيانة الأمانة، والسرقة، والنهب، وغسل الأموال.

وأوضح دلباح أن خالد سلام تمكّن من الإفلات، كونه يتنقل بين الدول، ويمتلك طائرة خاصة من طراز «بوينغ 737»، مضيفًا: شخص كان عاديًا، أصبح فجأة يمتلك طائرة يتنقل بها من بلد إلى آخر.

وأضاف أن خالد سلام عرض لاحقًا تسوية، قائلًا: “نضع جزءًا من الأموال التي سُرقت”، مشيرًا إلى أن ذلك جرى الإعلان عنه في مقابلة علنية مع الراحل فاروق القدومي، الذي قال حينها إنهم «استعادوا نحو 600 مليون دولار، وأُغلق الملف».

واعتبر دلباح أن ما يجري اليوم هو السيناريو نفسه، حيث تسعى السلطة إلى «إغلاق ملف أشرف دبور عبر تسوية، تقوم على إعادة جزء مما سُرق»، كما حدث سابقًا مع نظمي مهنا، الذي قال إنه دفع ما بين 20 إلى 40 مليون دولار، وأُغلق ملفه، قبل أن يُعاد فتحه لاحقًا بعد اكتشاف أن المبالغ أكبر بكثير.

وختم دلباح أن هذا هو أسلوب السلطة، «لا في مواجهة الاحتلال ولا في هذه الملفات»، معتبرًا أنها «جبانة في مواجهة الاحتلال، وجبانة أيضًا في هذه القضايا، لأنها رأس المنظومة»، وأن ما يجري ليس محاسبة، بل عملية تقاسم لما سُرق، ثم إغلاق الملفات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى