السلطة خارج معادلة التمثيل: شرعية مصنَّعة بإشراف الاحتلال والمانحين

يقدم مسار السلطة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة نموذجًا واضحًا لسلطة تستمد استمرارها وشرعيتها من الاحتلال والمانحين من الأطراف الدولية لا من الشعب الفلسطيني.
ويبرز الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم، أن السلطة تواصل إعادة إنتاج نموذج إقليمي مألوف، يقوم على الارتباط بالخارج مقابل فك الارتباط بالإرادة الشعبية.
وبحسب إبراهيم، تتحرك السلطة اليوم داخل إطار دولي مغلق، تُعاد فيه صياغة دورها ووظيفتها بإشراف أميركي وأوروبي وعربي، وبموافقة إسرائيلية ضمنية ترى في بقاء السلطة بصيغتها الحالية، الضعيفة سياسيًا والمنضبطة أمنيًا، ضمانة لإدارة الصراع دون أي التزام بحل جذري.
ويوضح أن هذا الإطار لا يتعامل مع السلطة بوصفها تعبيرًا عن تطلعات الفلسطينيين، بل كأداة وظيفية قابلة للتعديل وفق متطلبات المرحلة.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
يؤكد إبراهيم أن المجتمع الدولي لا ينظر إلى السلطة باعتبارها ممثلًا شرعيًا لإرادة الشعب الفلسطيني، وإنما كشريك تقني في ترتيبات ما بعد الحرب، خاصة في قطاع غزة.
فالشراكة هنا لا تقوم على برنامج وطني أو تفويض شعبي، بل على قابلية السلطة لتنفيذ التزامات محددة، في مقدمتها ضبط الوضع الأمني، ومنع أي شكل من أشكال المقاومة، وإدارة السكان بما يخفف كلفة الاحتلال السياسية والأمنية.
وتندرج ما يُروَّج له حاليًا من “خطط إصلاحية” في هذا الإطار الوظيفي. فهذه الإصلاحات، لا يمكن فهمها بوصفها مسارًا إداريًا أو ماليًا محايدًا، بل مشروعًا سياسيًا متكاملًا يستهدف إعادة تأهيل السلطة لتكون أكثر انضباطًا وأكثر قابلية للتكيّف مع الاشتراطات الدولية.
كما أن الحديث عن مكافحة الفساد أو تحسين الأداء المؤسسي يُستخدم غطاءً لإعادة تعريف وظيفة السلطة، لا لإعادة بناء شرعيتها الشعبية.
إصلاحات السلطة الفلسطينية
يشير إبراهيم إلى أن جوهر هذه الإصلاحات يتمحور حول شروط أمنية محددة: ضبط الأمن، منع المقاومة، السيطرة على المجال العام، وبناء مؤسسات تنفيذية قادرة على فرض القرارات دون اعتراض مجتمعي أو سياسي ما يتحول السلطة إلى جهاز إداري أمني، لا إلى كيان سياسي يعكس إرادة شعب واقع تحت الاحتلال.
الأخطر في هذا المسار، أن الضغوط الخارجية لا تتوقف عند حدّ “الإصلاح”، بل تتجه نحو مزيد من الارتهان.
فالعلاقة بين السلطة وهذه الأطراف باتت أقرب إلى الابتزاز السياسي منها إلى الشراكة. الدعم المالي والسياسي مشروط، والاستمرار مرهون بالالتزام، وأي خروج عن الخط المرسوم يواجه بالحصار المالي أو التهميش السياسي.
في الوقت نفسه، تتواصل سياسة إقصاء الفصائل الفلسطينية وتعميق الانقسام الداخلي، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول من تمثل السلطة فعليًا.
ويشدد إبراهيم على أن سلطة تُقصي قوى رئيسية في المجتمع، وتمنع إعادة بناء النظام السياسي على أساس الشراكة والانتخابات، لا يمكنها الادعاء بتمثيل الشعب، مهما حظيت بدعم دولي.
وما يجري اليوم هو محاولة لإعادة إنتاج السلطة بوصفها أداة إدارة وسلطة خدمات وواجهة سياسية لا تمتلك سيادة ولا برنامجًا وطنيًا الأمر الذي قد يرضي الاحتلال ويطمئن العواصم المانحة، لكنه يعمّق الفجوة مع الشارع الفلسطيني، ويكرّس أزمة الشرعية بدل معالجتها.





